عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
فَالْإِقْرَارُ بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ -مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ عُمُومِ دَعْوَتِهِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ- قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَسُولٌ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ رِسَالَتَهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَكُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ لَزِمَهُ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْسَلَ رَسُولًا يَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِاتِّبَاعِي، وَأَمَرَنِي بِجِهَادِكُمْ إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الرِّسَالَةِ وَإِلَّا فَلَا، فَالرَّسُولُ الْكَاذِبُ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ".
هل يتصور وجود مَن لم تبلغه دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
وما هو حكمه؟
قدَّمنا أن أهل الفترة هم الذين يكونون في فترة بيْن رسولين؛ لم تبلغهم دعوة الأول، ولم يدركوا الثاني، وبيَّنا أن الصحيح أنهم كفار مِن أهل الامتحان يوم القيامة.
وقدَّمنا عموم دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لكل الأرض، ولكل الأزمنة إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؛ فهل يتصور أن يوجد أحدٌ لم تبلغه دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
وما هو حكمه؟
ومتى يرتفع عذره؟
فأما التصور: فهو متصور عقلاً أن يوجد مَن لم تبلغه دعوة الإسلام، وكان العلماء يضربون له المثل بمن يعيش في جزيرة منعزلة أو مَن بعُدت ديارهم عن ديار المسلمين مِن الروم والتُرك -كما يأتي مِن كلام الإمام الغزالي رحمه الله-، وهذا بالطبع في الأزمنة التي لم تكن قد وُجدت فيها وسائل اتصالات على هذا النحو الذي عليه الآن.
وأما حكمه: فقد قال -تعالى-: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) فدلَّ هذا على أن العبرة بالبلاغ، وهذه الآية وكل ما تقدم مِن أدلة عذر أهل الفترة وصفة عذرهم تنطبق على هؤلاء.
وأما عن إجابة السؤال: متى يرتفع عذرهم؟
فيؤخذ مِن ذات الآية أن عذرهم يرتفع إذا بلغهم القرآن؛ ولأنه معجزة النبي -صلى الله عليه وسلم- الخالدة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ اُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) .
الجواب على مَن غلا في عذر مَن بلغته الحجة مِن الكفار:
قد يغلو البعض في هذا الباب فيرى أن هذا القدْر ليس كافيًا لإقامة الحجة وهو كافٍ -بإذن الله-؛ لا سيما والمطلوب هنا هو الإتيان بالإيمان المجمل مِن الشهادة لله بالوحدانية، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة - وبعد ذكر النصوص مِن قوله -تعالى-: ( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ )، ومِن قوله -صلى الله عليه وسلم-: لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ).
ويوضح هذا أمور:
1- القرآن هو الآية الباهرة التي أوتيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
2- خبر بعثة رسول يدعو إلى التوحيد ونبذ ما يعبد مِن دون الله كافٍ لتحريك دواعي النفس للبحث، ولا يصرفها عن ذلك إلا استحباب الدنيا على الآخرة.
3- أن إرسال الرسل هي الحجة المتممة لحجتين أخرتين، وهما: الميثاق والفطرة، وإذا كان المعتزلة قد غلوا في جانب الوعيد فقالوا بأن هذه الحجج الميثاق والفطرة كافية قبْل بعثة الرسل ففي المقابل يجب إلا نغفل أن دعوة الرسل هي تذكار بهذه المواثيق؛ فلا مجال لمزيدٍ مِن عذر بعدها.
4- بيان أن الله ذم مَن أبى واستكبر، وعذر مَن لم تبلغه رسالة الإسلام؛ فلا بد مِن التفريق بينهما.
5- بيان أن واجبنا إبلاغ الحق إلى الخلق وإزالة ما يعرض لهم مِن شبهات.
وهذا بيان لهذه المسائل:
1- القرآن هو الآية الباهرة التي واتيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الجواب الصحيح على مَن بدَّل دين المسيح -عليه السلام-: "وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَفِيهِ الدَّعْوَةُ وَالْحُجَّةُ، فَلَهُ بِهِ اخْتِصَاصٌ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ( مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). وَالْقُرْآنُ يَظْهَرُ كَوْنُهُ آيَةً وَبُرْهَانًا لَهُ مِنْ وَجُوهٍ: جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا. أَمَّا الْجُمْلَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَتِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ مِنْ عَامَّةِ الْأُمَمِ، عِلْمًا مُتَوَاتِرًا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتَى بِهَذَا الْقُرْآنِ، وَتَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ أَعْظَمَ مِنْ تَوَاتُرِهَا بِخَبَرِ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْفَلَاسِفَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ فِيهِ تَحَدِّي الْأُمَمِ بِالْمُعَارَضَةِ، وَالتَّحَدِّي هُوَ أَنْ يَحْدُوَهُمْ: أَيْ يَدْعُوَهُمْ فَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَنْ يُعَارِضُوهُ، فَيُقَالُ فِيهِ: حَدَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ: أَيْ بَعَثَنِي عَلَيْهِ، وَمِنْهُ سُمِّي حَادِي الْعِيسِ؛ لِأَنَّهُ بِحِدَاهُ يَبْعَثُهَا عَلَى السَّيْرِ".
ثم ذكر بعدها كلامًا في أوجه إعجاز القرآن فلتراجع.