شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

والمؤلفات في هذا الباب كثيرة معلومة، ومنها: "الإعجاز العلمي": والإعجاز العلمي سرٌ جعله الله لكتابه لتبقى الحجة قائمة على أهل كل زمان، وعلى أهل كل لسان؛ فقد وردت في القرآن إشارة، بل تصريح بحقائق علمية لم تكن معروفة قط في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- مما يوجب لدى المنصف مِن المتأخرين أن يشهد بأن هذا الكتاب مِن عند الله.

ومِن أكثرها وضوحًا: "مراحل خلق الجنين"، والتي لم تعرفها العلوم التجريبية إلا بعد اكتشاف الأشعة بأنواعها؛ فوجدوا الوصف القرآني منطبقًا على الواقع، والأمر لا يحتاج أن نستكثر من الأمثلة كما يفعل البعض فيتعسف في تفسير الآيات لتوافق بعض الحقائق، بل وأحيانًا النظريات العلمية!

وينبغي أن يُعلم: أن القرآن كتاب هداية للبشرية لما يحتاجه الإنسان كإنسان، وليس لما يحتاجه مِن وسائل حياة، وإن وجدت هذه الآيات التي تتضمن حقائق علمية لتبقى معجزة القرآن متجددة، والاقتصار على أمثلة محدودة قطعية الدلالة أو ظاهرة الدلالة على الأقل أبلغ في إقامة الحجة، وفيها التزام بما يجب مِن الابتعاد عن القول على الله بغير علم.

2- خبر بعثة رسول يدعو إلى التوحيد ونبذ ما يعبد مِن دون الله كافٍ لتحريك دواعي النفس للبحث، ولا يصرفها عن ذلك إلا استحباب الدنيا على الآخرة:

يقو الإمام الغزالي -رحمه الله- في "فيصل التفرقة بيْن الإسلام والزندقة: "بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله -تعالى- (أعنى الذين هم في أقاصي الروم والترك) ولم تبلغهم الدعوة؛ فإنهم ثلاثة أقسام:

- صنف لم يبلغهم اسم محمد -صلى الله عليه وسلم- أصلاً فهم معذورون.

- وصنف بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه مِن المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.

- وصنف ثالث بيْن الدرجتين بلغهم اسمه -صلى الله عليه وسلم- ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا منذ الصبا أن كذابًا ملبسا اسمه محمد ادعى النبوة كما سمع صبياننا أن كذابًا يقال له المقفع تحدى بالنبوة كاذبًا فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه و هذا لا يحرك داعية النظر في الطلب".

إلى أن قال: "وأما سائر الأمم فمن كذبه بعد ما قرع سمعه على التواتر خروجه وصفته ومعجزاته الخارقة كشق القمر، وتسبيح الحصى، ونبع الماء مِن بين أصابعه والقرآن المعجز الذي تحدى به أهل الفصاحة فعجزوا عنه، فإذا قرع ذلك سمعه فأعرض عنه وتولى ولم ينظر فيه، ولم يـتأمل ولم يبادر إلى التصديق؛ فهذا هو الجاحد الكاذب وهو الكافر، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد الإسلام، بل أقول: مَن قرع سمعه هذا؛ فلا بد وأن ينبعث منه داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان مِن أهل الدين، ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإن لم تنبعث هذه الداعية فذلك لركونه إلى الدنيا وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين، وذلك كفر، وإن انبعثت الداعية فقصر في الطلب فهو أيضًا كفر، بل ذو الإيمان بالله واليوم الآخر مِن أهل كل ملة لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة، فإذا اشتغل بالنظر والطلب ولم يقصِّر فأدركه الموت قبْل تمام التحقيق فهو أيضًا مغفور له، ثم له الرحمة الواسعة فاستوسع رحمة الله -تعالى- ولا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية".

ومع أن الإمام الغزالي -رحمه الله- هنا توسع في العذر كما هو موضوع كتابه أصلاً؛ إلا أنه قرر أن مَن بلغه القرآن ثم أعرض عنه؛ فإنه لا يفعل ذلك إلا استحبابًا للدنيا على الآخرة!

3- أن حجة الرسل متممة لحجة الفطرة والميثاق:

يقول الشيخ حافظ حكمي -رحمه الله- في "سلم الوصول":

اعْـلَـمْ بِـأَنَّ الــلَّـهَ جَـلَّ وَعَلَا لَمْ يـَتـْرُكِ الْخَـلْـقَ سـُـدًى وَهـَمـَلَا

بَلْ خَـلَقَ الْخـَـلْـقَ لِـيـَـعـْـبـُـدُوهُ وَبـِـــالْإِلَـــهِـــيَّــةِ يـُـــفْـــرِدُوهُ

أَخْرَجَ فِيمَا قَدْ مَضَى مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّـــــــتــــَــهُ كــَـــالـــذَّرِّ

وَأَخَــذَ الـْعـَهْـدَ عَــلَـيْـهِـمْ أَنـَّهُ لَا رَبَّ مَعـْبـُـودٌ بِــحقٍّ غَــيْـرَهُ

وَبَعْـدَ هَـذَا رُسْـلَـهُ قـَدْ أَرْسـَلَا لَـهـُمْ وَبِالْحَـقِّ الْـكـِتَـابَ أَنـْزَلَا

لِــكَـيْ بــِذَا الْعَـهْـدِ يُـذَكّـِرُوهُمْ وَيُـنـْــذِرُوهُــمْ وَيـُبَـشِّـرُوهُــمْ

كَيْ لَا يَكُونَ حُجَّةٌ لِلنـَّاسِ بَـلْ لـِلـَّهِ أَعــْلَى حُجـَّـةٍ عَـزَّ وَجَـلْ

فَـمَـنْ يُـصَـدِّقْهُـمْ بِـلَا شِـقَـاقِ فَـقَـدْ وَفـَـى بِــذَلِـكَ الْـمِـيثـَـاقِ

وَذَاكَ نَــاجٍ مِـنْ عَـذَابِ النَّارِ وَذَلِكَ الــْوَارِثُ عُـقْـبَـى الــدَّارِ

راجع شرح هذه الأبيات في معارج القبول للشيخ حافظ حكمي.

- وفي معناه ما ذكره الشيخ الشعراوي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً)، فقال بعد شرح الآية وما في معناها مِن الآيات: "إذن: قد انقطعت حجتكم برسالة محمد البشير النذير -صلى الله عليه وسلم-.

وقد وقف العلماء أمام هذه القضية فقالوا: إن كانت الحجة قد قامت على مَن آمن برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فما بال الكافر الذي لم يؤمن ولم يعلم منهج الله؟ وكأنهم يلتمسون له العذر بكفره.

نقول: لقد عرف الإنسان ربه -عَزَّ وَجَلَّ- أولاً بعقله، وبما ركّبه فيه خالقه -سبحانه- مِن ميزان إيماني هو الفطرة؛ هذه الفطرة هي المسئولة عن الإيمان بقوة قاهرة وراء الوجود، وإنْ لم يأتِ رسول.

والأمثلة كثيرة لتوضيح هذه القضية:

هَبْ أنك قد انقطعتْ بك السُّبل في صحراء واسعة شاسعة لا تجد فيها أثراً لحياة، وغلبك النومُ فنمْتَ، وعندما استيقظتَ فوجئت بمائدة منصوبة لك عليها أطايب الطعام والشراب.

بالله أَلاَ تفكِّر في أمرها قبل أن تمتدّ يدُك إليها؟ ألاَ تلفت انتباهك وتثير تساؤلاتك عَمَّنْ أتى بها إليك؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية