شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فاستقم كما أمرت

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الاستقامة على طاعة الله منة عظيمة، وكرامة مِن الله -تعالى- لعبده المؤمن، بل "إن الاستقامة أعظم كرامة" كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والمؤمن يتقلب في مراحل عمره بيْن أنواع العبادات والقربات لله -عز وجل-، فما أن يفرغ مِن عبادة إلا ويشرع في عبادة أخرى ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) (الشرح:7-8) .

فليس شأن المؤمن أن يعبد الله في حال دون حال أو وقت دون وقت؛ كأن يجتهد في طاعة الله في رمضان ثم يعود لسيرته الأولى بعد انقضاء رمضان، فإن رب رمضان هو رب شوال ورب سائر العام، وقد قيل لبِشر الحافي -رحمه الله-: "إن أناسًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون فيه، فإذا انسلخ رمضان تركوا ذلك!"، فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!" .

والمؤمن لا يغتر بالساقطين مِن حوله، والمتكاسلين عن طاعة الله -تعالى- ولو كانوا كثرة، فإن الأسوة إنما تكون في الخير وليس في الشر، والعبرة بموافقة شرع الله -تعالى-، يقول الله -عز وجل-: ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (الأنعام:116) ، وقال وهب بن مُنَبِّه -رحمه الله-: "مَرَّ رَجُلٌ عَابِدٌ عَلَى رَجُلٍ عَابِدٍ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ فُلانٍ، أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ عِبَادَتِهِ وَمَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا، فَقَالَ بِعَجَلٍ: لا تَعْجَبْ مِمَّنْ تَمِيلُ بِهِ الدُّنْيَا، وَلَكِنِ اعْجَبْ مِمَّنِ اسْتَقَامَ" (حلية الأولياء) ، وقال بعض السلف: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا"، وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: " إذَا رَأَيْتُمْ الْيَوْم شَيْئًا مُسْتَوِيًا فَتَعَجَّبُوا".

والعاقل يعلم أنه إنما خلق لحكمة وغاية، وهي عبادة الله -تعالى- وطاعته: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) ، والله -عز وجل- لم يجعل نهاية وحدًّا لطاعة العبد وعبادته لربه إلا انتهاء عمره وانقضاء أجله؛ يقول -جلَّ وعلا-: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) ، وقال -تعالى- على لسان عيسى -عليه السلام-: ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) (مريم:31) .

والاستقامة هي لزوم طاعة الله -تعالى-، وقد أمر الله بها صفوة خلقه وعباده، فقال لنبيين ورسولين من رسله الكرام موسى وهارون -عليهما السلام-: ( فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (يونس:89) ، وأمر بها نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في غير ما آية في كتابه الكريم كما في قوله -تعالى-: ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) (الشورى:15) ، وقوله: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) (فصلت:6) ، وقوله: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) (هود:112-113) .

وكذلك أمر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وحض عليها: فعن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وحُجُّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُستَقَم بِكُمْ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) ، وعن سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ قُلْ لِي في الإِسلامِ قَولاً لاَ أَسْأَلُ عنْه أَحداً غيْركَ. قَالَ: ( قُلْ: آمَنْت باللَّهِ: ثُمَّ اسْتَقِمْ ) (رواه مسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) . ( لَنْ تُحْصُوا ): أي لن تحصوا وجوه الاستقامة كاملة.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: ( وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ) (رواه مسلم) . والمقصود بالسداد: الامتثال والموافقة للشرع على التمام؛ فإن لم يكن فالمقاربة والاقتراب مِن ذلك ما أمكن كما أمر -صلى الله عليه وسلم-: ( قَارِبُوا وَسَدِّدُوا ).

وفي قول الله -تعالى-: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ... ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ"؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قيل له: قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ: ( شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا ) (رواه الترمذي والطبراني، وصححه الألباني) .

وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي قال: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ السَّرِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم -"يعني في المنام، وهذا على سبيل الاستئناس لا الاستدلال بالرؤى والمنامات"- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: ( شَيَّبَتْنِي هُودٌ )، قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: مَا الَّذِي شَيَّبَكَ، قَصَصُ الأَنْبِيَاءِ، وَهَلاكُ الأُمَمِ؟، قَالَ: لا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) (رواه البيهقي في الشُّعب) .

الصفحة التالية