شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فاستقم كما أمرت

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين

فأمر الله -عز وجل- النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أن يستقيمَ هو ومَن تابعَه، وأن لا يجاوزوا ما أُمِروا به، وهو الطغيان، وأخبر -تعالى- أنه بصير بأعمالهم، مطلع عليهم، والطغيان أصله التعاظم والجراءة، وقلة الاكتراث، والمراد هنا الجراءة على مخالفة ما أمروا به، قال الله -تعالى-: ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) (طه:81) .

عوائق الاستقامة:

- مِن عوائق الاستقامة كما بيَّنت الآية الكريمة: "الطغيان، والركون إلى الظالمين": فقد جمع الله بيْن الأمر بالاستقامة وبين التحذير منهما؛ لأن كلاً منهما يؤدي إلى زهد العبد في العبادة، وانحرافه عن الصراط المستقيم.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "جعل الله الدين بين لاَئين: ( وَلا تَطْغَوْا )، ( وَلا تَرْكَنُوا )". فلخَّص الدين كله في أمرين: "النهي عن الطغيان، والنهي عن الركون إلى الظالمين"، والطغيان هو: مجاوزة الحد إما في حدود الله أو في حقوق الناس، ومجاوزة العدل إلى الظلم، وكل مَن جاوز ما أمره الله به ولم يلتزم شريعته؛ فأطلق بصره إلى الحرام، واستمع إلى الحرام، وتناول الحرام، وأكل الحرام، ولم يصن جوارحه عن معاصي الله -تعالى-؛ فهو مِن الطغاة له نصيب مِن جزائهم.

- ومما يحمل على الطغيان أن يرى الإنسان في نفسه الاستغناء عن طاعة الله وعن عبادته أو يرى افتقاره إلى معصية الله وحاجته إليها: ( كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى . إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) (العلق:6-8) .

- ومن عوائق الاستقامة: "التوسع في المباحات، وفي فضول الحاجات": وقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يتوقون فضول الكلام والنظر، والطعام والشراب، وما سوى ذلك؛ خشية أن تؤدي إلى التفريط في حق الله -تعالى-.

قال بعض السلف: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُكَلِّمُنِي بِالْكَلامِ لَجَوَابُهُ أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ المَاءِ الْبَارِدِ إِلَى الظَّمْآنِ، فَأَتْرُكُ جَوَابَهُ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ فُضُولاً"، وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْوَاهِبِيُّ: "مَنْ أَدْخَلَ فُضُولاً مِنَ الطَّعَامِ أَخْرَجَ فُضُولا مِنَ الْكَلامِ"، وخَرَجَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: "كَمْ مِنَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ قَدْ نَظَرْتَ الْيَوْمَ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَ: وَيْحَكِ! مَا نَظَرْتُ إِلا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكِ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْكِ!".

وأما الركون إلى الظالمين:

فليس هو ما يشيعه الجاهلون مِن أنه مجرد مجالسة الكفار أو الظلمة ومخالطتهم لدعوتهم إلى الله -تعالى- مع الإنكار على ما يظهرونه مِن مخالفة للشرع، فقد غشي النبي -صلى الله عليه وسلم- مجالس المشركين يدعوهم إلى الله -تعالى-، وقد أمر الله رسولين كريمين بأن يذهبا بأنفسهما إلى شر الخلق فرعون وأمرهما بإلانة القول له، فقال -تعالى-: ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (طه:43-44) .

وإنما الركون الذي حذر الله منه ونهى عنه هو: متابعة الكفار والظالمين على ظلمهم وباطلهم، والرضا به ومعاونتهم.

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "قَوْلُهُ -تَعَالَى-: ( وَلا تَرْكَنُوا ): الرُّكُونُ حَقِيقَةٌ الاسْتِنَادُ وَالاعْتِمَادُ وَالسُّكُونُ إِلَى الشَّيْءِ وَالرِّضَا بِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لا تَوَدُّوهُمْ وَلا تُطِيعُوهُمْ. ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَمِيلُوا إِلَيْهِمْ. أَبُو الْعَالِيَةِ: لا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ. وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ".

وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "وَقَوْلُهُ: ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لا تُدهنُوا، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الرُّكُونُ إِلَى الشِّرْكِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلا تَمِيلُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ، أَيْ: لا تَسْتَعِينُوا بِالظَّلَمَةِ فَتَكُونُوا كَأَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ بِبَاقِي صَنِيعِهِمْ ( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ مَنْ دُونِهِ مَنْ وَلِيٍّ يُنْقِذُكُمْ، وَلا نَاصِرٍ يُخَلِّصُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ".

وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مدار الاستقامة في الدين تدور على أمرين عظيمين هما: "حفظ القلب، وحفظ اللسان"؛ فمتى استقاما استقامتْ سائر الأعضاء، وصلح الإنسان في سلوكه وحركاته وسكناته، ومتى اعوجا وفسدا فسد الإنسان، وضلت أعضاؤه جميعًا، فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ ) (متفق عليه) ، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) , وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية