شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فاستقم كما أمرت

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين

- وفي قوله -تعالى-: ( كَمَا أُمِرْتَ ) بيان أن الاستقامة لابد أن تكون بميزان الوحي وموافقة الشريعة، أي استقامة موافقة لأمر الله لا تفريط ولا إفراط , بل امتثالا لأمر الله -تعالى- واجتنابًا لنواهيه على وجه الاستمرار على ذلك، ومعلوم أن أمر الله -تعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أمر لأمته إذا لم يرد التخصيص له. (انظر تفسير العلامة السعدي -رحمه الله-) .

فكل إنسان -وإن أظهر الاستقامة- لابد وأن يوزن بهذا الميزان -ميزان الوحي-، قال بعض السلف: "لَوْ رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، وَيَمْشِي عَلَى الْمَاءِ؛ فَلا تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ وُقُوفُهُ عِنْدَ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي"، ولما قيل للإمام الشافعي -رحمه الله-: كان الليث بن سعد -رحمه الله- يقول: "إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ؛ فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة" قَالَ الشّافِعِيُّ: "قصَّرَ الليْثُ رَحِمَهُ اللهُ! بَلْ إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ، وَيَطِيرُ فِي الهوَاءِ؛ فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة!".

- وقوله -تعالى-: ( وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ): أي ومَن آمَن معك فليستقيموا أيضًا، والاستقامة -كما أمر الله- لا تقومُ بها إلا الأنفس المطهَّرة، والذوات النقية؛ ولذلك حصرها الله -عز وجل- في التائبين، وقد أمر اللهُ المؤمنين بالاجتهاد في تحصيلها مع الاستغفار مما يعرض مِن تقصير في طريق تحقيقها، كما في قوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) (فصلت:6) .

وقد جعل الله للاستقامة أكبر الثواب، وأمَّن صاحبها مِن العذاب، وجعل لها أعظم الثمرات.

ومِن هذه الثمرات:

- سعة الرزق: قال الله -تعالى-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) (الجن:16) ، وقال -عز وجل-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (الأعراف:96) .

- الحياة الطيبة والأجر الحسن وصلاح البال: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) ، ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) (محمد:2) .

- الرفعة في الدنيا قبل الآخرة: قيل لابن المبارك: "ابن عون -رحمه الله- بمَ ارتفع؟!" قال: "بالاستقامة".

- بشارة الملائكة عند الموت بانتفاء الخوف والحزن: قال الله -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) (فصلت:30-32) .

فالملائكة تتنزل عليهم عند الموت ( أَلا تَخَافُوا ) أي: مما تُقدمون عليه مِن أمر الآخرة. ( وَلا تَحْزَنُوا ): على ما خلَّفتموه مِن أمر الدنيا من ولدٍ وأهل، ومال أو دَين، فإنّا نخلفُكم فيه. ( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ): فيبشِّرونهم بذهاب الشر وحصول الخير.

- تولي الملائكة للمؤمن المستقيم على دين الله -تعالى- في الدنيا كما تتولاه في الآخرة: كما دلت الآية الكريمة على ذلك: ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ).

أسباب تحصيل الاستقامة:

- الاستعانة والدعاء والتضرع إلى الله -عز وجل-، كما علمنا -سبحانه- أن ندعوه في ركعة مِن ركعات الصلاة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (الفاتحة:5-6) ، وكان أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

فعلى العبد أن يعلم أنه لا غنى له عن توفيق الله ومعونته له طرفة عين أبدًا، وأن قلبه ليس بيده وإنما القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها -سبحانه- كيف يشاء، قال مُطَرِّفٌ بن عبد الله -رحمه الله-: "لَوْ أُخْرِجَ قَلْبِي فَجُعِلَ فِي يَسَارِي وَجِيْءَ بِالخَيْرِ فَجُعِلَ فِي يَمِيْنِي مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أُوْلِجَ قَلْبِي مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَكُوْنَ اللهُ يَضَعُهُ" (سير أعلام النبلاء) .

- صحبة الأخيار والصالحين، والابتعاد عن الأشرار والفاسدين: وقد أمر الله -تعالى- صفوة الخلق -صلى الله عليه وسلم- بأن يحبس نفسه مع الرفقة الصالحة رغم أنه أفضل منهم، وأعظم منهم قدرًا وشأنًا؛ فأنزل الله عليه: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف:28) .

- حضور مجالس العلم والاستماع إلى الدروس المفيدة، والمواعظ النافعة؛ فكل ذلك يعين على الاستقامة على طاعة الله -تعالى-.

نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا الاستقامة على طاعته وعبادته، وأن يجنبنا الفتن كلها، ما ظهر منها وما بطن، وأن يهدينا إليه صراطا مستقيمًا.

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة