شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (2)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

المؤامرة الآثمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة وتمهيد:

- إثارة نفوس السامعين في كل مرة بالتنبيه على فضل مدارسة سورة يوسف: قال عطاء -رحمه الله-: "ما سمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها".

- تذكير مجمل بما سبق مِن أمر رؤية يوسف -عليه السلام-، ونصيحة أبيه بعدم ذكرها على إخوته خشية الحسد والكيد.

- الإشارة إلى أن الآيات التي يدور حولها الحديث اليوم تتحدث عن المؤامرة الآثمة التي يدبرها إخوة يوسف -عليه السلام- للتخلص منه، وتلاوتها مِن قوله -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ . قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ . فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ . وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (يوسف:7-18) .

- الإشارة إلى أن الآيات تلخص أربع مشاهد: "مشهد الحسد والتآمر - ومشهد التفاوض لإقناع يعقوب -عليه السلام- بترك يوسف - ومشهد تنفيذ المؤامرة - ومشهد الخبر الصادم والاعتذار الكاذب".

أولاً: مشهد الحسد والتآمر:

قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ).

- ( آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ): علامات ودلالات على وحدانية الله وكمال صفاته، وعلى صدق الرسل وما لهم مِن الصفات الحميدة، وأثر الحسد وسوء الأخلاق وقطع الأرحام.

- ( وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ): ظنوا أن كثرتهم تعطيهم أفضلية ولو كانوا عصاة مخالفين لأبيهم، ونسوا أن يوسف -عليه السلام- وأخاه قد سبقاهم بالطاعة وبالأدب الرفيع، والتواضع لأبيهم والاسترشاد؛ فضلاً عن كونهما صغارًا.

- ( إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ): وهذا يدل على سوء أخلاقهم؛ وكيف ذلك وأبوهم هو "الكريم ابن الكريم ابن الكريم"؟! فظنوا بأبيهم التفضيل بسبب الزوجة الأخرى، أو لجمال يوسف الظاهر، وحاشاه؛ فالأنبياء منزهون عن ذلك.

فائدة: فيه دليل على العذر بالجهل في مسائل الاعتقاد، فإن سب الأنبياء ووصفهم بالضلال الأكيد كفر ناقل عن الملة.

تابع: "مشهد المؤامرة": قال الله -تعالى- حكاية عنهم: ( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ).

- ( اقْتُلُوا ) ( اطْرَحُوهُ ) ( وَأَلْقُوهُ ): آثار الحسد وما يصل بصاحبه إليه، قال ابن إسحاق: "لقد اجتمعوا على أمر عظيم مِن قطيعة الرحم وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل!".

- ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ): كيف وهم يريدون قتل حبيبه أو إبعاده عنه؟! فلو كانوا صادقين لأحبوا ما يحبه!

- ( وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ): طريقة شيطانية يسول بها الشيطان للعبد المعصية لتهون عليه، وقد لا يمهل الإنسان العمر أو التوبة؛ وإلا فقد ظلوا على ظلمهم ومعاصيهم نحو أربعين سنة!

- ( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ): "قسوة أقل شدة، ولكنها شيء فظيع - ظلمة البئر - العري والجوع - الرق والعبودية".

ثانيًا: مشهد التفاوض:

قال الله -تعالى- حكاية عنهم: ( قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ).

- ممارسة الضغط على أبيهم بمختلف الوسائل، وكاد المريب أن يقول خذوني: ( قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ )، والظاهر أنهم كانوا يطلبون ذلك مِن أبيهم قبْل ذلك وهو يرفض خوفًا مِن مكرهم؛ ولذلك جعلوا يأتون بالمؤكدات: "إنَّ، لام التوكيد"، ( وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ) ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ).

حاول يعقوب -عليه السلام- الامتناع بأمرين:

الأول: مشقة فراق يوسف -عليه السلام- ساعات؛ فكيف وأنه سيغيب عنه سنوات؟!

الثاني: خشية أن يأكله الذئب لانشغالهم عنه ولصغره، وقد أخذوها مِن فمه حجة لهم!

الصفحة التالية