شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (2)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- وقفة: الواحد منا يشق عليه فراق أهله وعياله أيامًا أو شهورًا، وليس فيهم مِن الصفات الجميلة -خُلُقًا وخَلقًا- عشر معشار ما كان ليوسف -عليه السلام-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن يوسف -عليه السلام-: ( اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ ) (رواه مسلم) ، مع ما جمع مِن صفات الجمال الباطن؛ فكيف وهم يريدون تغييبه أبدًا؟!

ثالثًا: مشهد تنفيذ المؤامرة:

قال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ... ).

- اتفاق عجيب على طفل صغير!

انظر ماذا يفعل الحسد بأصحابه... !

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وذكر السدي وغيره: أنه لم يكن بيْن إكرامهم له وبين إظهار الأذى له، إلا أنه غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول مِن شتم ونحوه، والفعل مِن ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون وسطه يقال له الراغوفة فقام فوقها" اهـ .

- وقفة: لكَ أن تتأمل كيف كان حال هذا الطفل البريء الطاهر النجيب الذكي الكريم؟ ولك أن تتخيل الحال حين انصرفوا عنه وتركوه، وجاء عليه الليل وهو في ظلمة البئر كذلك! لكَ أن تتخيل حال طفل صغير حُرِم مِن أبيه الحنون وأمه الشفيقة وأخيه الرفيق بنيامين! لكَ أن تتخيل ما المصير الذي ينتظره: أهو الموت خوفًا ورعبًا وهمًّا، أم هو الموت جوعًا وضعفًا، أم ماذا هو المصير؟! شيء يُبكي القلب قبْل العين! ولكن رحمة الله العليم الحكيم أعظم مِن أبيه وأمه والناس أجمعين!

- ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ): وحي إلهام وتثبيت، وإظهار للحفظ والرعايا والنصرة، وبما سيؤول إليه الأمر مِن لقائك بهم مرة أخرى ورفعتك عليهم.

رابعًا: مشهد الخبر الصادم والاعتذار الكاذب:

قال الله -تعالى-: ( وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ).

- دموع التماسيح المفترسة وحقيقتها الكذب؛ لأنها لا تبكي أصلاً وإن غمرت عيونها بالماء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) (متفق عليه) .

- ( فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ): خبر وقعه كالصاعقة -أو أشد- على قلب الأب الحنون.

- ( فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ) قطعوا على أنفسهم طريق الرجوع عن الكذب، فما قالوا: "ضلَّ منا في الطريق"؛ فأمكن الرجوع بـ"وجدناه"!

- ( وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ )، ( وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ).

أمران جعلا يعقوب -عليه السلام- لا يصدقهم:

الأول: ما كانوا عليه مِن الحسد وسوء الخلق.

الثاني: أين آثار الذئب على القميص مِن تقطيعٍ وافتراس؟

- ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ) فالقميص غير الممزق يؤكِّد ذلك، وأن يوسف -عليه السلام- لم يمت.

- ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ): سأصبر مِن غير جزعٍ في القلب، ولا شكوى لغير الله، ولا عمل بالجوارح ينافي ذلك، وسأتوكل على ربي في جلب المنافع ورفع المضار وإنفاذ وعده، فالله لطيف لما يشاء.

ما أجمل هذه الكلمات إذا قالها كل مظلوم مبتلى، وأيقن ما تحمله! قالت عائشة -رضي الله عنها- لما اُتهمت ظلمًا وزورًا في حادثة الإفك: "وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ )" (متفق عليه) .

خاتمة: ماذا فعل الله -تعالى- بالطفل البريء الذي ألقي في البئر ظلمًا وعدوانًا وهو الذي اصطفاه واجتباه، وأراه مِن آياته ما أراه؟

هذا هو موضوع الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.

الصفحة السابقة