شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"لماذا يَحرم زواج المسلمة مِن الكتابي؟!" سؤال فَهِمَ "الألمان" إجابة شيخ الأزهر عليه... وهنا ما زالوا يجادلون!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد نشر الموقع الإليكتروني "لليوم السابع"، بتاريخ الأربعاء، 27 يوليه 2016م، تحليلاً للكاتب الصحفي "مدحت صفوت"، تحت عنوان: (دعوة للتفكير... هل يكون الزواج المدني خطوة لدعم السلم الاجتماعي وإنهاء التعصب؟، تحريم زواج المسلمة مِن المسيحي "اجتهاد" ( وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ ) (البقرة:221) تخص الوثنيين... كيف يكون المسيحيون كفارًا ويتزوج المسلم نساءهم؟!).

ولمّا كانت القضية خطيرة، وتمس ثابتًا مِن ثوابت الدين، ورغم أن معظم المعلِّقين على الخبر في الجريدة قد استنكروه -والحمد لله رب العالمين-؛ إلا أنه حتى يكون على بصيرة نناقش ما ورد في مقال الكاتب مِن شبهات في نقاطٍ مركزة.

أولاً: ليس ما ذكره اجتهادًا ولا تجديدًا، بل هو اجترار لخرافات "مرقص فهمي":

فبعد وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني عمد "كرومر" إلى الطعن في أسس الاجتماع الإسلامي ونظام الأسرة التي كانت دراسات المستشرقين قد اتفقتْ على أنه أحد أهم أسباب قوة المسلمين، فأوعز إلى أحد مَن اصطنعهم، وهو: "مرقص فهمي" المحامي، فأصدر في سنة 1894م كتاب "المرأة في الشرق" دعا فيه صراحة وللمرة الأولى في تاريخ المرأة المسلمة إلى تحقيق أهداف خمسة محددة، وهي:

1- القضاء على الحجاب الإسلامي.

2- إباحة اختلاط المرأة المسلمة بالأجانب عنها (والمقصود الاختلاط الذي يتضمن صورًا محرمة، وليس مطلق التواجد في مكان عمل واحد، أو مكان دراسة واحد).

3- تقييد الطلاق وإيجاب وقوعه أمام القاضي.

4- منع الزواج بأكثر مِن واحدة.

5- إباحة الزواج بيْن المسلمات والأقباط.

ولم تكد الضجة مِن وراء هذا الكتاب تهدأ حتى صدم المسلمين بقذيفة أخرى هي كتاب "المصريون" لــ"الدوق داركير" هاجم فيه المصريين ونساء مصر، وتعدى على الإسلام، ونال مِن وضع المرأة في الإسلام!

ومِن هنا نعلم أن هذه الدعوات كانت وليدة الاحتلال بغرض ضرب استقرار الأسرة المسلمة.

ثانيًا: "شيخ الأزهر" يرد على أتباع "مرقص فهمي":

فإذا علمتَ أن هذا الذي يسمونه "اجتهادًا جديدًا" صدر في ظل الاحتلال، ومِن شخص غير مسلم؛ فاعلم أن علماء الإسلام قد تصدوا لهذا العبث بالدين الإسلامي، وكان مِن آخرهم الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الجامع الأزهر، الذي وُجِّه له سؤال مباغت في ألمانيا:

س- لماذا تسمحون بزواج المسلم مِن نصرانية، ولا تسمحون بزواج المسلمة مِن نصراني؟!

فأجاب إجابة فيها الكثير مِن الفوائد رغم أنها مِن عفو الخاطر... وتضمنتْ إجابته العناصر الآتية:

1- أكَّد "شيخ الأزهر" أن الزواج في الإسلام مشروع ديني، وليس مدنيًّا، فقد سماه الله ميثاقًا غليظًا، فقال -سبحانه-: ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) (النساء:21) ، وهو في ذلك يشبه الميثاق الغليظ المأخوذ على الأنبياء المذكور في قوله -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) (الأحزاب:7) .

2- أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولا يؤمن بعيسى -عليه السلام- حكمه في الشرع أنه "كافر".

3- أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولا يؤمن بموسى -عليه السلام- حكمه في الشرع أنه "كافر".

(من النقطتين السابقتين تعلم يقينًا حكم مَن يقول: "لا إله إلا الله، موسى رسول الله"، ولا يؤمن بعيسى -عليه السلام-، أو يؤمن بهما ولا يؤمن بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- "وستأتي هذه الجزئية في محلها مِن الرد".

4- بناءً على ما سبق بيَّن الشيخ "أحمد الطيب" أن الرجل المسلم يؤمن بأصل دين اليهود والنصارى، وبالتالي يكون مؤتمنًا على زوجته الكتابية، بخلاف الرجل اليهودي والنصراني والذي لا يكون باقيًا على يهوديته أو نصرانيته إلا إذا كان مكذبًا بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ وإلا لدخل في الإسلام.

5- هذا المسلك في التعليل أوهم بعض مَن ليس عنده علم بالشريعة أن المسألة اجتهادية، وأن الفقهاء قد بدا لهم هذا المعنى فحرَّموا زواج المسلمة من الكتابي، وهذا غير صحيح، فالنصوص في تحريم زواج المسلم من المشركة قطعية، وكذا النصوص التي استثنت الكتابيات مِن هذا التحريم قطعية، وإن حدث خلاف قديم في حكم زواج المسلم مِن الكتابية ثم اندثر هذا الخلاف، وأجمعت الأمة على صحة زواج المسلم مِن الكتابية، كما أجمعوا -وبصورة أوضح- على المنع مِن زواج المسلمة بالكافر سواء كان وثنيًّا أو كتابيًّا -كما سيأتي بيانه-.

وما يُذكر مِن فروقٍ عقلية بيْن حل زواج المسلم مِن كتابية وحرمة زواجه مِن وثنية، أو الفرق بيْن حل زواج المسلم مِن كتابية وحرمة زواج المسلمة من كتابي، وغير ذلك مِن اجتهاد العلماء في استنباط حكم أو علل لأحكام؛ فإنهم قد يصيبون فيها وقد يخطئون، ويبقى أن الحكم طالما ثبت بالنص لا سيما ما كانت دلالته قطعية أو وقع الإجماع عليه؛ فلا يسوغ الاجتهاد معه.

6- أمثلة:

- عيَّن الشرع الماء للطهارة مِن الحدث الأكبر والأصغر؛ فوجب التسليم لذلك، ثم ما زال العلم يبين في كل يوم خاصية للماء ليست لغيره مِن السوائل.

- غلظ الشرع نجاسة لعاب الكلب؛ فوجب التسليم لها تعبدًا، ثم كشف العلم الحديث الكثير مِن أضرار لعاب الكلب.

- قضى الشرع بحرمة أكل لحم الخنزير؛ فوجب التسليم لذلك تعبدًا، وعللـه البعض بأنه يخالط الأقذار، ثم اكتشفوا أن الدودة الشريطية الخنزيرية وغيرها أشد فتكًا بالإنسان عشرات المرات مِن نظيرتها البقرية، ثم اكتشفوا إنفلونزا الخنازير، وما زال العلم يضيف عللاً والحكم ثابت ومستنده النص.

ثالثًا: المرجعية العليا لمن؟

زعم المقال أن الفقهاء استندوا إلى "الاجتهاد" في تحريمهم لزواج المسلمة مِن كتابي، وبالتالي فيقبل إعادة النظر، وهو زعم ليس في محله، ولكن الأخطر مِن هذا أنه تذبذب في مرجعية الشريعة ذاتها!

الصفحة التالية