شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (3)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

مِن البئر إلى القصر!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق مِن إلقاء إخوة يوسف -عليه السلام- له في البئر، وكذبهم على أبيهم بأن الذئب قد أكله!

- الإشارة إلى أن الأحداث التالية فيها بداية التمكين ليوسف -عليه السلام-، وإن كانت تحمل مِن الآلام ما تحمل، فكثير مِن الآمال لا تتحقق إلا بعد الآلام: قال الله -تعالى-: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:216) .

- الإشارة إلى أن الآيات مِن سورة يوسف -عليه السلام- هذه المرة تتلخص في ثلاثة مشاهدة.

المشهد الأول: مِن البئر إلى الرق:

- قال الله -تعالى-: ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ . وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ) (يوسف:19-20) .

- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن قصة يوسف -عليه السلام- حين وُضع في البئر أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به حتى جاءت قافلة مِن المسافرين مِن الشام إلى مصر، فأرسلوا بعضهم ليستقوا مِن ذلك البئر، فلما أدلى دلوه تعلق فيه يوسف -عليه السلام-، فلما رآه ذلك الرجل قال: يا بشراي، هذا غلام جميل، آية في البهاء والجمال، وأسره هو وآخر عن بقية الركب، وكان إخوة يوسف يترقبون المشهد، فلما استشعروا بأخذ السيارة له، لحقوهم، وقالوا هذا غلام أبق منا، وإن شئتم بعناه لكم ونحن فيه مِن الزاهدين، فاشتروه منهم بثمن بخس دراهم قليلة!

- وقفة: لكَ أن تتصور حمل القافلة لأعظم طفل في العالم على أنه سلعة تباع وتشترى كالحيوان والمتاع! ولك أن تتصور مشهد مفارقة هذا الطفل لوطنه ولأبيه وأمه ومراتع صباه إلى مصير مجهول في سوق العبيد والرقيق! ولكن... ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ).

- (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ): قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته، وبما أسره واجده مِن أنه بضاعة لهم، ومع هذا لا يغيره -تعالى-؛ لما في ذلك مِن الحكمة العظيمة والقدر السابق، والرحمة بأرض مصر، بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد ذلك يملكه أزمة الأمور، وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف" اهـ .

- فائدة في سؤال: لماذا سكت يوسف -عليه السلام- ولم يظهر الحقيقة؟ والجواب: أنه اختار أخف الضررين، فقد علم أنه إذا رجع قتلوه، وهو الأغلب، فبلاء أهون مِن بلاء، وظلم أهون مِن ظلم.

المشهد الثاني: مِن الرق إلى القصر:

- قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) .

- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن يوسف -عليه السلام- حين جُعل في سوق العبيد؛ كيف دبَّر الله -تعالى- له بلطفه ألا يشتريه إلا رئيس الوزراء الذي ألقى الله في قلبه محبة يوسف -عليه السلام- حتى اتخذه ولدًا له، وكان عقيمًا لا ولد له، وأن ذلك كان أول التمكين ليوسف -عليه السلام- في أكبر ممالك الأرض يومئذٍ.

- (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا): قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، حين قال لامرأته: ( أَكْرِمِي مَثْوَاهُ )، والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى -عليه السلام-: ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ) (القصص:26) ، وأبو بكر الصديق حينما استخلف عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-" (أخرجه الحاكم بسندٍ صحيح) .

- (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ): بهذا البلاء وهو الإلقاء في البئر، ثم الوقوع في الرق والعبودية، والحرمان مِن الأبوين، ومِن الوطن والعشيرة؛ قدرناه سببًا لتمكين يوسف -عليه السلام- ونشر دينه في الأرض؛ فلعل فيما تكرهون خيركم وأنتم لا تعلمون.

- (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ): قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي إذا أراد شيئًا فإنه يقيض له أسبابًا وأمورًا لا يهتدي إليها العباد".

- وقفة: كان مِن الممكن أن يقع يوسف -عليه السلام- في يد مَن لا يعرف قدره، ولكن الله يقيض أمورًا وأسبابًا لا يهتدي إليها العباد، ومِن نظائره: قصة خشبة الرجل الأمين، وكيف وصلت الخشبة إلى صاحب الدين دون غيره، وكيف أخرج الله صاحب الدين في وقت وصولها؟!

المشهد الثالث: محنة امرأة العزيز:

الصفحة التالية