شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (3)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

قال الله -تعالى-: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ . وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) (يوسف:22-29) .

- ملخص ما جاء في الآيات: دار الزمان والأيام، وأصبح يوسف شابًا بديع الجمال والبهاء، وهو يعيش في بيت العزيز مع امرأته الشابة، وهي في غاية الجمال والمنصب والشباب، وهى بمثابة الأم له، ولكن غلبتها نفسها التي عاشت حياة المُلك والرفاهية والشهوات، وهكذا أكثر أهل هذه الطبقات ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) (محمد:12) .

- (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ): المرأة توفر كل أسباب الفتنة والوقوع في الفاحشة، ثم أضف إلى ذلك: الدواعي التي تدفع إلى ذلك، ومنها: أن يوسف -عليه السلام- كان شابًا وعزبًا وغريبًا، وكانت المرأة صاحبة جمال شديد، ومنصب فريد، وهي الطالبة!

- ولكن... يوسف -عليه السلام- سيد النجباء والأتقياء السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة: ( قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ).

- وأما قوله -تعالى-: (وَهَمَّ بِهَا) فعلى قولين:

الأول: لم يقع الهم منه ألبتة، وتقديره كما تقول العرب: "لقد قارفت الذنب لولا أن عصمك الله".

والثاني: مالت نفسه بمقتضى الطبيعة البشرية، ومنعه دينه وتقواه، كما يميل الصائم إلى الماء البارد في الحر؛ فيمنعه دينه وتقواه.

- وقفة: تأمل كيف تناول القرآن مشهدًا مليء بالفتنة في أحسن عبارة وألطف إشارة دون جرح المشاعر وإثارة الغرائز، لا كما هو حال كتبهم وأدبهم المزعوم.

- ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ): قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) (الطلاق:2) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ , يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

تابع المشهد الثالث: حضور العزيز:

- قال الله -تعالى-: ( وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ).

- ملخص الآيات: لقد استمكنت الفتنة والشهوة مِن المرأة حتى إنها لم تسمع بقدوم زوجها، وهو الذي تصحبه المواكب عادة، وظلت تطارد يوسف -عليه السلام- في ذل ومهانة حتى قطعت ثيابه مِن شدة جذبه عند الباب، ثم دار ما دار مِن الحوار الذي أظهر الله به الحق، ولكن دياثة العزيز كانت سببًا في أحداث مؤلمة تأتي بعد ذلك.

- (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ): إن مخالطة أهل المعاصي والنظر في وجوههم بلاء يجب الفرار منه، انظر إلى دعوة أم جريج غضبًا عليه: ( اللهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ ) (متفق عليه) ؛ فكيف بمن يستجلب على نفسه ذلك: "الشواطئ، والأفلام، ونحوها!"؟!

- (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): اتهمته وهي المتهمة، وجعلت تملي على زوجها الأوامر.

- (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي): دفاع مشروع، وسكوت لا يسوغ؛ لأنه يؤثر على دينه، بخلاف سكوته على ظلم إخوته.

- (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا): الله يقيض شاهدًا منصفًا ليفضح كذب المرأة.

- (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ): هكذا انشغال الطبقة المترفة بالمظاهر والوجاهات ولو على حساب الدين والشرف.

- المسكِّنات لا تداوي ولا تعالِج الأمراض والجروح، وستنفجر بعد قليل: ( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (يوسف:30) .

وهذا ما سيأتي الحديث عليه في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.

الصفحة السابقة