الطريق إلى ثقافتنا (3) الغزو العسكري كأداة للغزو الفكري
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عرضنا في المقالة الأولى من هذه السلسلة لأهم مقاصد كتاب "الطريق إلى ثقافتنا".
والتي لخصناها في النقاط الآتية:
1- تعريف الثقافة، موضع اللغة والدين والأخلاق منها.
2- الاستشراق وكيف بدأ بالنهل مِن ثقافتنا ثم صار حربًا عليها!
3- في القرن السابع عشر الميلادي نهضة أوروبية وأخرى إسلامية، وكيف عمل الاستشراق ثم الاستعمار على وأد يقظتنا لصالح يقظتهم.
4- الحملة الفرنسية وسياسة تدجين أهل الدين في بلادنا.
5- التغريب في الثقافة والتعليم في عهد الاحتلالين: "الفرنسي والإنجليزي".
وكنا قد فرغنا من النقطتين الأوليتين في المقالتين السابقتين، وهذا أوان الشروع في النقطة الثالثة، والتي تدور حول نهضة أوروبا الممتدة من أواخر القرن السابع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، وكيف بدأت؟ وما هي دوافعها؟ وظهور نهضة إسلامية في نفس الحقبة، وكيف جاء "الاحتلال العسكري" خصيصًا لوأدها، لنكتشف مِن خلال هذا العرض أن الغزو الفكري لم يكن مجرد بديل عن الغزو العسكري كما يردد كثير من الباحثين! بل إن "الغزو العسكري" لا يعدو أن يكون إحدى وسائل الغزو الفكري، وأن الاحتلال الأوروبي لبلاد المسلمين إنما جاء؛ لعرقلة اليقظة الإسلامية، ولتصدير طليعة تؤمن بمبادئه، ثم عاد يتابع الموقف.
ولا شك أن أحداث ما بعد الصحوة الإسلامية المعاصرة والتي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أثبتت أنهم دائمًا جاهزون للعودة لتوجيه دفة الفكر كلما احتاج الأمر ذلك.
وإليك عرض لأهم ما جاء في كلام الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- حول هذه الجزئية؛ حيث يقرر الأستاذ "محمود شاكر" أنه رغم البون الشاسع بين حضارة الإسلام وهمجية الغرب في العصور الوسطى، والذي كشفت عنه الحروب الصليبية إلا أن هذا الفرق قد أورث الأمة الإسلامية حالة من الكمون والاسترخاء، بينما أورث الغرب حالة من الرغبة الأكيدة في تعويض الفارق "الحضاري" بين الأمتين "وليس مجرد الفارق العسكري"؛ فنشأت حركة الاستشراق التي تلخصت في تعاون قصور الحكم في أوروبا مع الكنائس لإرسال النبهاء من أبنائهم؛ لكي يتعلموا الموروث الحضاري للمسلمين بما في ذلك القرآن والسنة وعلومهما.
يقول الأستاذ "محمود شاكر" في تقرير هذا:
"غَبَر ما غبر، ودخلت دار الإسلام في سِنَة لذيذة أورثتها نشوة النصر المؤزر، ودخلت أوروبا كلها في عزيمة حاسمة لترد عن عرضها العار، وبلغ السيل الزبى، فكانت يقظة محسوسة في جانب، وغفوة لا تحس في جانب، وشال الميزان... ".
"وبينما هم كذلك إذ رصدوا أن ثمة يقظة إسلامية لا ينتظمها إطار عضوي واحد، وإنما قام بها رجال متباعدة أقطارهم، كل في مجاله، ولكن خيرية الأمة الإسلامية جعلت جهودهم تلتقي وتتنتقل من بلد إلى آخر؛ مما مثل نهضة حضارية كبرى كانت متأخرة بعض الشيء عن الجوانب المادية عن النهضة الأوربية إلا أن هذا التأخر كان على وشك الزوال، ومِن ثَمَّ أبرق المستشرقون باستغاثات هرعت على إثرها جيوش الاحتلال الإنجليزية والفرنسية لتحاصر العالم الإسلامي مِن أطرافه، ثم جاءت الحملة الفرنسية على مصر لتضرب قلب العالم الإسلامي، وبعد فشلها جاء الاحتلال الإنجليزي، وبهذا تمت إعاقة النهضة الإسلامية في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي".
ويقول الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- واصفًا حال تلك اليقظة:
"ويومئذٍ آنس قلبُ دار الإسلام ركزًا خفيًّا فأرهف له سمعه، سمع نقيض أركان دار الخلافة وهي تتقوض، فتوجس توجسًا غامضًا لشر مستطير آت لا يدري مِن أين؟ فهب مِن جوف الغفوة الغامرة أشتاتٌ من رجال أيقظتهم هدّة هذا التقوض، فانبعثوا يحاولون إيقاظ الجماهير المستغرقة في غفوتها... رجال عظام أحسوا بالخظر المبهم المحدق بأمتهم فهبوا بلا تواطؤ بينهم، كانوا رجالاً أيقاظًا مفرقين في جنبات أرض مترامية الأطراف، متباعدة أوطانهم، لا يجمعهم إلا هذا الذي توجسوه في قرارة أنفسهم مبهمًا من خطر محدق.
أحسوا الخطر فراموا إصلاح الخلل الواقع في حياة دار الإسلام؛ خلل اللغة، وخلل العقيدة، وخلل علوم الدين، وخلل علوم الحضارة، وبأناة وصبر عملوا وألفوا، وعلَّموا تلاميذهم، وبهمة وجدّ أرادوا أن يدخِلوا الأمة في عصر النهضة، نهضة دار الإسلام من الوسن والنوم، والجهالة والغفلة عن إرث أسلافهم العظام.
ومِن هؤلاء خمسة من الأعلام أذكرهم لك هنا مجرد ذكر باختصار:
1- البغدادي عبد القادر بن عمر صاحب خزانة الأدب (1030 - 1093 هـ/ 1620 - 1683م) في مصر.
2- الجبرتي الكبير: حسن بن إبراهمي الجبرتي العقيلي (1110 - 1188هـ/ 1698 - 1774م) في مصر، وسأحدثك عنه بعد قليل.
3- ابن عبد الوهاب: محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي (1115 - 1206هـ/ 1703 - 1792م) في جزيرة العرب.
4- المرتضى الزبيدي: محمد بن عبد الرزاق الحسيني صاحب تاج العروس (1145 - 1205 هـ/ 1772 - 1790م) في الهند وفي مصر.
5- الشوكاني: محمد بن علي الخولاني الزيدي (1173 - 1250 هـ/ 1760 - 1834م) في اليمن.
وإذا أنعمتَ النظر في هذه التواريخ علمتَ أن عصر النهضة عندنا واقع بين منتصف القرن الحادي عشر الهجري إلى منتصف القرن الثاني عشر، ويقابله منتصف القرن السابع عشر الميلادي إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، تذكر هذا ولا تنسه أبدًا؛ فهو الذي يكشف لك اللثام عن التغرير الفاضح الذي طفحت به حياتنا الأدبية الفاسدة المهلكة.
هبَّ البغدادي في منتصف القرن الحادي عشر الهجري "السابع عشر الميلادي"؛ فألَّف ما ألف ليرد على الأمة قدرتها على التذوق، تذوق اللغة والشعر والأدب وعلوم العربية.
وهبَّ ابن عبد الوهاب يكافح البدع والعقائد التي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهي ركن الإسلام الأكبر، ولم يقنع بتأليف الكتب، بل نزل إلى عامة الناس في بلاد جزيرة العرب وأحدث رجة هائلة في قلب دار الإسلام.
وهبَّ المرتضى الزبيدي يبعث التراث اللغوي والديني وعلوم العربية وعلوم الإسلام، ويحيي ما كان يخفى على الناس بمؤلفاته ومجالسه.