الطريق إلى ثقافتنا (3) الغزو العسكري كأداة للغزو الفكري
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وهبَّ الشوكاني الزيدي الشيعي محييًا عقيدة السلف، وحرَّم التقليد في الدين، وحطم الفرقة والتنابذ الذي أدى إليه اختلاف الفرق بالعصبية.
أما خامسهم: "وهو الجبرتي الكبير"، فكان فقيهًا كبيرًا، نابهًا، عالمًا باللغة وعلم الكلام، وتصدر إمامًا مفتيًا وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، ولكنه في سنة (1144هـ - 1731م) ولى وجهه شطر العلوم التي كانت تراثًا مستغلقًا على أهل زمانه، فجمع كتبها من كل مكان، وحرص على لقاء مَن يعلم سر ألفاظها ورموزها، وقضى في ذلك عشر سنوات (1144هـ - 1154هـ) حتى ملك ناصية العلوم كلها في: الهندسة، والكيمياء، والفلك، والصنائع الحضارية كلها: حتى النجارة، والخراطة، والحدادة، والسمكرة، والتجليد، والنقش، والموازين!
وصار بيته زاخرًا بكل أداة في الصناعة وكل آلة، وصار إمامًا عالمًا أيضًا في أكثر الصناعات، ولجأ إليه مهرة الصناع في كل صناعة يستفيدون من علمه، ومارس كل ذلك بنفسه وعلَّم وأفاد حتى علَّم خدمه في بيته.
ويقول ابنه عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ (تاريخ الجبرتي 1/ 397): "وحضر إليه طلاب من الإفرنج، وقرأوا عليه علم الهندسة وذلك في سنة تسع وخمسين (1159هـ/ 1746م) وأهدوا إليه من صنائعهم وآلاتهم أشياءً نفيسة، وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة إلى الفعل، واستخرجوا به الصنائع البديعة، مثل: طواحين الهواء، وجر الأثقال، واستنباط المياه، وغير ذلك".
ويقول منبهًا على الفرق بين النهضة الإسلامية والنهضة الأوروبية آنذاك:
"لا تنظر إلى الفرق الهائل الكائن اليوم بين الشمال المسيحي والجنوب الإسلامي، فإنك إن فعلت ضللتَ عن الحقيقة، والحقيقة يومئذٍ أن الفرق بيننا وبينهم كان خطوة واحدة تستدرك بالهمة والصبر، والدأب والتصميم لا أكثر، بل أكبر من ذلك: فإن اليقظة الأوروبية كانت بعد في أول الطريق وتتكئ اتكاءً شديدًا على ما كان عندنا مِن العلم المسطور في كتبنا برموزه التي تحتاج إلى استبانة وفهم، وعلى العلم الحي الذي عند أهل دار الإسلام كما حدثك الجبرتي المؤرخ عن أبيه الفقيه الجليل الجبرتي الكبير -انظر ما سلف قريبًا-، وقراءة المستشرقين عليه ليهتدوا به اهتداءً إلى حل هذه الرموز واستبانتها وفهمها!
وكل الفرق بيْن اليقظتين يومئذٍ هو: أن يقظتنا كانت هادئة سليمة الطوية، منبعثة من داخلها، ليس لها هدف إلا استعادة شبابها ونضرتها في حدود الإسلام، وإن كانت يومئذٍ يقظة متباعدة الديار غير متماسكة الأوصال، ولكنها كانت قريبة التواصل وشيكة الالتئام.
وأما يقظتهم هم: فكانت متفجرة بحقد قديم مكظوم شيمته السطو الخفي، وشملُها مجتمع بالضغينة المتقادمة، وهدفها إعداد العدة لاختراق دار الإسلام بالدهاء والخداع والمكر كما حدثتك آنفًا فأطلتُ الحديث. أي هما يقظتان كانتا في زمن واحد، إحداهما من طبيعتها: الرفق المهذب، والأخرى من طبيعتها: العدوان الفاجر؛ فانظر الآن ماذا كان بعد ذلك لأمر أراد الله أن يكون".
ثم يوضح دور المستشرقين في الاستنجاد بالساسة الأوروبيين:
"هبوا -أي المستشرقون- هبة الفزع من هذه اليقظة فتسارعوا ينقلون كل صغيرة وكبيرة مما هو جار تحت أعينهم في دار الإسلام، ووضعوه بينًا جليًّا مشفوعًا بمخاوفهم وملاحظاتهم ونصحهم وإرشادهم تحت أبصار ملوك المسيحية الشمالية وأمرائها ورؤسائها وقادتها وساستها ورهبانها، وبصروهم بالعواقب الوخيمة المخوفة من هذه اليقظة الوليدة التي بدأت تنساح في أرجاء دار الإسلام، وتناجوا بينهم نجوى طويلة يقلبون النظر في أهدافهم ووسائلهم، وتبينوا الخطر الداهم الذي جاء يتهددهم إذا ما تمت هذه اليقظة واشتد عودها واستقامت خطواتها على الطريق اللاحب".
ثم قال مبينًا كيف اختار الساسة في أوروبا خيار التواجد العسكري المقنّع الذي سرعان ما تحول إلى احتلال عسكري صريح: "فلما فزع الاستشراق فزعت معه كل المسيحية الشمالية ودولها التي كانت أساطيلها تطوِّق دار الإسلام من أطرافها البعيدة، وتتوغل بسيطرتها على سواحلها متحسسة طريقها إلى قلب هذه الدار المترامية الأطراف بالدهاء وبالمكر وبالخديعة، وبالتنمر أحيانًا حين يتطلب الأمر التنمر والترويع.
كانت دول أوروبا كلها في صراع مستميت فيما بينها على نهش أطراف دار الإسلام واستنزاف ثرواتها وكنوزها وخيراتها بشراهة لا تشبع، وكان أكبر الصراع المتوحش على الطرف البعيد في الهند حيث لا تستطيع طليعة الإسلام في دار الخلافة "تركيا" أن تصنع لإنقاذها شيئًا ذا بال، بل هي يومئذٍ مشغولة أيضًا بالحفاظ على وجودها وهيبتها لا أكثر.
كان أكبر دولتين يومئذٍ إنجلترا وفرنسا، وكان السبق لإنجلترا؛ فأنشأت ما يسمونه شركة الهند الشرقية البريطانية، وهو أول جهاز استعماري قوي وذلك في سنة (1600 - 1858م/ 1009 - 1275هـ)، وتبعتها فرنسا فأنشأت جهازها الاستعماري باسم: شركة الهند الشرقية (1664 - 1769م/ 1075 - 1183هـ)، ولا يغررك لفظ: "شركة"؛ فإنه في الحقيقة جيش غاز مسلح، مهمته النهب والسلب، وقطع الطريق، وتخويف الضعفاء الذين لا يملكون عن أنفسهم دفعًا.
بدأ الصراع بين الشركتين في الهند -أي اللصين- صراعًا مستحرًّا مستميتًا، وظل محتدمًا حتى قضت الشركة البريطانية على الشركة الفرنسية قضاءً مبرمًا على يد القائد البريطاني المحنك روبرت كلايف (1725 - 1774م/ 1138 - 1188هـ) في معركة فاصلة سنة (1757 م/ 1171هـ)، وطردتها من الهند كلها سنة (1761م/ 1175هـ)، فخرجت هي والأسبان وغيرهم من حلبة الصراع في الهند دامية وجوههم وأكبادهم! واستأثرت إنجلترا وحدها بالصيد الغزير.
وفي ذلك الوقت جاءهم النذير؛ نذير الاستشراق للمسيحية الشمالية بالخطر المُدْلهم الذي تهددهم به يقظة دار الإسلام بقيادة محمد بن عبد الوهاب في جزيرة العرب (1115 - 1206هـ/ 1703 - 1792م)، وظهور الجبرتي الكبير (1110 - 1188هـ/ 1698 - 1774م) في مصر هو والزبيدي ومِن قبله البغدادي.