الطريق إلى ثقافتنا (4) الحملة الفرنسية على مصر
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولاً: تمهيد:
من الأمور المتفق عليها بين دعاة "الهوية الإسلامية" -أو الثقافة الإسلامية- وبين دعاة التغريب: أن "الحملة الفرنسية" على مصر هي المحطة الأبرز بين محطات التغريب في العالم الإسلامي، وإن كان الأولون يعتبرونها أقصى قاع الانهزامية الثقافية التي سرعان ما أسفرت عن نشاط الأجهزة المناعية داخل المجتمع المسلم، بينما يراها الآخرون هي الماضي الجميل الذي يحنون إليه دومًا ويطالبون بالعودة إليه! "رغم أنهم في سبيل قطع الأمة عن ماضيها يسمون الرجوع إلى هدي خير القرون رجعية، ولله الأمر مِن قبل ومِن بعد!".
وكان من الطبيعي أن يفرد الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- لهذه الحملة جزءًا كبيرًا مِن بحثه عن "الطريق إلى ثقافتنا".
فذكر الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- ثلاثة مظاهر سبقتْ الحملة الفرنسية على مصر، وهي:
1- وجود المستشرقين في ديار الإسلام يتعلمون العلوم التقنية والحضارية والإسلامية، وينقلون المراجع إلى بلادهم؛ بالإضافة إلى نقلهم لأخبار العالم الإسلامي، وقد ذكرنا حاصل كلامه في ذلك في المقالة الثانية من هذه السلسلة.
2- وجود صحوة إسلامية ويقظة حضارية في القرن الثامن عشر الميلادي مثَّلها محمد بن عبد الوهاب، والزبيدي، والشوكاني، والجبرتي -رحمهم الله-، وقد تحدثنا عليها في المقالة الثالثة من هذه السلسلة.
3- وجود صحوة خاصة أخرى على مستوى دور العلماء في تقويم الحكام قام بها علماء الأزهر تجاه انحراف المماليك عن نهج الإسلام، وانتهت هذه الصحوة إلى إعلان توبة من المماليك عن هذه المظالم، وهي التوبة التي لم تستمر سوى شهر واحد! عادوا بعدها إلى ظلمهم وفجورهم مما جعل العلماء في غاية الحنق عليهم.
ومن مجموع هذه المظاهر الثلاثة جاء قرار "الحملة الفرنسية" على مصر، فالمستشرقون يراقبون فأزعجتهم تلك النهضة الشاملة واليقظة العامة التي وُجدت في أرجاء العالم الإسلامي، وزاد من انزعاجهم أن انتشارها الجغرافي فوق قدرتهم على التحليل وفوق ما يرونه من أسباب ظاهرة "وهم بالطبع غافلون أو متغافلون عن نصر الله لهذه الأمة"، فبدأوا بالتحريض على غزو العالم الإسلامي؛ ذلك التحريض الذي ازدادت وتيرته كلما ازدادت الصحوة رسوخًا، وجاء التحريض على غزو "مصر" خاصة؛ لأنها "قلب العالم الإسلامي"؛ ولأسباب اقتصادية وتجارية.
ثم جاء الصراع بين العلماء والمماليك مما يعني تصدع الجبهة الداخلية المصرية متزامنًا مع التحولات التي جرت في مسار الثورة الفرنسية، ورغبة "نابليون" في تقديم عمل يخدم "الثقافة الفرنسية" تجعله جديرًا بقيادة فرنسا، فجاءت الحملة الفرنسية على مصر والمستشرقون من أمامها يمهدون السبيل لها، مستثمرين ما أشرنا إليه من الحالة الداخلية.
وسوف نعرض لملخص ما ذكره الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- في هذا الصدد؛ لأهميته، محافظين على عباراته قدر الإمكان.
ثانيًا: "الحملة الفرنسية" وسلوك المحتل في تفتيت الجبهة الداخلية:
قال الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- ما ملخصه: "لما أظل زمان مجيء الحملة الفرنسية نشط الاستشراق نشاطًا سريعًا، خفي الوطء في ميادين مختلفة لبث أفكار درسوها وأحكموها، وأرادوا أن يشيعوها بين جماهير دار الإسلام في مصر؛ للتحكم في تصريف أموره وغاياته، وللتمكن من إشعال نيران الفتن حين تنزل الحملة الفرنسية أرض مصر؛ ليفرِّقوا بهذه الفتن شمل الناس، ويمزقوهم ويشغلوهم عن الكيد الخفي الميكيافلي الذي يراد بهم، وكان أكبر نشاط الاستشراق موجهًا إلى المشايخ الكبار الذين ثاروا بالأمس القريب على طائفة الأمراء من المماليك المصرية مرات حتى خضعوا ووقعوا على "وثيقة توبة" ثم نقضوها بعد شهر من توقيعها!".
1- غرور المماليك بفروسيتهم وتعميق المستشرقين لهذا الداء:
يقول الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- ما ملخصه: "لما دنا نزول جند الفرنسيس ثغر الإسكندرية كانت الأخبار قد وصلت إلى القاهرة غامضة، فلم يهتم أمراء المماليك بشيء من ذلك ولم يكترثوا به اعتمادًا على قوتهم، فقالوا -وزعموا-: إنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون في مقابلتهم، وإنهم يدوسونهم بخيولهم، وقد عزز هذا الغرور فريق من المستشرقين لهم مودة بالمماليك يفاوضونهم ويهونون عليهم شأن الفرنسيس، ويمنونهم بالظفر عليهم إذا هم أقدموا على دخول القاهرة، ويزيدونهم إصرارًا على الغرور بقوتهم، وأنهم إذا جاءت الإفرنج فهم قادرون على أن يدوسوهم بخيولهم!".
تعليق:
من المفيد هنا أن نراجع كلام الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- عن الغفلة التي أصابتْ العالم الإسلامي بعد فتح القسطنطينية والشعور بالزهو العسكري، وهذا الذي ظل ملازمًا ليس للمماليك فحسب، بل للخلافة العثمانية بأسرها حتى فوجئوا بالغرب انطلاقًا من علوم أخذها المستشرقون عن علوم بلاد الإسلام الشرقية وأخذها آخرون عن جامعات الأندلس يطورون الأسلحة النارية التي حيدت بطولات الفرسان في جيوش المماليك والعثمانيين على حد سواء، ولما جاء السلطان "عبد الحميد" يتدارك هذا اضطر للدخول في حلف مع الألمان؛ ليمدوه بالسلاح وليدربوا جيوشه عليه فهزم معهم، وقسِّمت الخلافة العثمانية التي عُرفت عندهم بتركة الرجل المريض!.
2- المستشرقون وتعميق الخلاف بين المشايخ والمماليك:
قال الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- ما ملخصه: "وعندئذٍ خرج الاستشراق من مكامنه، وخرج المستشرقون الذين كانوا يتزيون بزي أهل الإسلام ويجاورون في الأزهر لطلب علم الدين والدنيا مسلمين ويخالطون المشايخ الكبار دروسهم وبيوتهم لا يميزهم شيء عن سائر المسلمين المجاورين في الأزهر من كل جنس ولون!