شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الطريق إلى ثقافتنا (4) الحملة الفرنسية على مصر

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وطافوا على المشايخ الكبار... وبرفق ودهاء ومكر فاتحوهم في شأن الفرنسيس الذين شاع أنهم قد دنا نزولهم أرض مصر، فادعوا أنهم بدافع النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين يؤكدون بما عندهم من علم أن الذي يحمل الفرنسيين على القدوم إلى الديار المصرية هو ما كان المماليك يعاملون به الجالية الفرنسية بإذلال واحتقار، ويظلمون تجارهم بأنواع الإيذاء والتعدي كما يظلمون جماهير أمة الإسلام في مصر بألوان من الجور والظلم والمهانة، وإقدامهم على مخالفة الشرع وعلى نقض العهود والمواثيق، وجرأتهم على هيبة المشايخ الكبار بلا رعاية لكرامتهم، وإن كل هدف الفرنسيس هو رفع الظلم الواقع على تجارهم وتخليص حق الأمة الإسلامية من يد الظالمين، والقضاء على دولة المماليك الفاسدة الظالمة، ووضع أمور البلاد في يد العلماء والفضلاء من أهالي مصر!

وظلوا يفتلون لهم في الذروة والغارب برفق ودهاء حتى انتهوا إلى أن الفرنسيس لم يقدموا على نية القضاء على دولة المماليك إلا باتفاق مع السلطان العثماني؛ لأنهم أحباؤه المخلصون! والمماليك كثيرًا ما امتنعوا عن طاعة السلطان ولم يمتثلوا لأمره، وأن الفرنسيين يحترمون النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرآن العظيم، وأنهم هم الذين نزلوا في رومية وخربوا كرسي الباب الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة المسلمين، واستمع المشايخ لهذا وأمثاله، ولقلة علمهم بما هو خارج عن حدود القاهرة الآن مس هذا الحديث قلوب أكثرهم، وغرتهم الأماني، وعدّوه نصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين!

وكانوا يخوفون المشايخ من تهور المماليك "رغم أنهم جزء من صناعته"، وأنهم لا علم لهم بقوة الفرنسيس وما في حوزتهم من المدافع والأسلحة مما لا يملك مثله المماليك، وأنه إذا وقعت الواقعة لم تغنِ عن المماليك مدافعهم وأسلحتهم، وأنهم سرعان ما يفرون من وجه الفرنسيس ثم يتفرقون شذر مذر، ويتركون القاهرة مكشوفة بلا حامٍ يحميها أو يدافع عنها".

تعليق:

كانت فتوى "شيخ الإسلام" في المقارنة بين التتار والمماليك مثالاً واضحًا لاعتبار قاعدة المصالح والمفاسد في هذه الخطوب العظيمة، والعلامة "محمود شاكر" هنا يبيِّن بحزن وأسى أن المشايخ قد غرر بهم بأن الفرنسيين أرفق بالمسلمين من المماليك!

وما زال الخطأ يتكرر في أزمنتنا المعاصرة، ولعل حوادث التاريخ تجعلنا نقطع بأن الاستعانة بالكفار لدفع ظلم حاكم ظالم هو من الاستجارة من الرمضاء بالنار، ونحن نرى أمام أعيننا كيف آل أمر الاستعانة بالأمريكان للقضاء على ظلم "صدام"!

ومِن هذا الدرس يمكننا أن نقول: إنه لا يحق لأية دعوة إسلامية أن تحبِّذ أي تدخل من دول الكفر ضد جيوشها "مهما بلغت الانحرافات الداخلية، ومهما بالغ الآخرون في معسول وعودهم".

3- المستشرقون ومحاولة استمالة الكنيسة القبطية:

قال الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- ما ملخصه: "وكان آخرون من المستشرقين يتأهبون لإحداث فتنة كبيرة إذا ما دخلت جيوش الفرنسيس القاهرة، فطافوا بالكنيسة القبطية المصرية وحاولوا أن يستثيروا حميتها، وأن يغروها بأن استجابتهم للفرنسيس إنما هو نصرة لدين المسيح على دين الإسلام، وأن واجبهم أن يناصروا الفرنسيس، ويناصبوا المسلمين العداء؛ حتى تعلو راية المسيحية، ويصبح المسلمون أتباعًا لهم ورعية لا سلطان لها لا يملكون إلا الطاعة المستكينة لدين المسيح، بيد أن الكنيسة القبطية أعرضتْ عنهم وعن إغرائهم؛ فلم يستجب للمستشرقين أحد من رجال الكنيسة القبطية، وأخفقوا إخفاقًا كاملاً".

تعليق:

هذه المحاولة من الحملة الفرنسية لاستمالة الكنيسة القبطية تكررت -وما زالت تتكرر-، وهي تحتاج من الأغلبية المسلمة أن تكون واعية، وأن ترسل رسالات مترجمة إلى واقع في أن مصالح الأقباط هي في مصالحهم المشتركة مع المسلمين "وليس مع العدو الخارجي"، وهذا قد يؤكد أهمية أن يتم توصيفهم على أنهم "معاهدين"، وأن العهد الذي بيننا وبينهم هو الدستور، ومِن قبْله ما أمر الله به من حسن العهد معهم.

4- المستشرقون وبعض الأقباط "الانتهازيين!":

قال الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- ما ملخصه: "لما لم يجد المستشرقون من الكنيسة القبطية أي استجابة ولوا وجوهم شطر طائفة الأقباط الأغنياء الذي كان عملهم جباية الأموال، وضبط مالية المماليك؛ فاستعصي عليهم أكثرهم، واستجاب لهم جابي المملوك "محمد بك الألفي"، وهو المعروف باسم: المعلِّم "يعقوب"، وجمع لهم من سفلة القبط وعامتهم وغوغائهم عددًا كبيرًا، وانضم جهرة إلى الفرنسيس؛ فكوَّن منهم "نابليون" فيما بعد جيشًا سماه: "جيش الأقباط" على كراهية الكنيسة القبطية وعلى غير رضاها، وهذا الخسيس المعلم "يعقوب" كان هو وجيشه فتنة كبيرة وبلاءً وبيلاً".

تعليق:

كان الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- منصفًا حينما أثبت أن عمل المعلم "يعقوب" كان على غير رغبة الكنيسة، بل على غير رغبة الكثيرين من أغنياء الأقباط؛ فإننا لم نبتلَ بشيء مثل بلوى التعميم، وفي ذات الوقت نجد أن نموذج المعلِّم "يعقوب" يتكرر عبر التاريخ! وهو يقتضي دائمًا من الكنيسة، ومِن عقلاء الأقباط أن ينقوا صفوفهم من هذا الصنف من الناس.

ثالثًا: الثورة الفرنسية ومحاولة تدجين المشايخ:

قال الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- ما ملخصه: "لما وقعت الواقعة، ونزل جند الفرنسيس أرض الإسكندرية واجتاحوا بلاد الوجه البحري يحرقون القرى ويسفكون الدماء سبقهم إلى القاهرة منشور "نابليون" المؤرَّخ آخر المحرم سنة 1212هـ، وكتبه المستشرقان: "فانتور ومارس"، رأى المشايخ فيه جلَّ ما طرق أسماعهم من حديث المستشرقين الذين كانوا يتزيون بزي الإسلام، وجاءتهم أنباء حرائق القرى وسفك الدماء حين قاوم المصريون الجيش الغازي كما توعد "نابليون" في منشوره كل مَن يقاومه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية