شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الطريق إلى ثقافتنا (4) الحملة الفرنسية على مصر

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ثم بعد أيام قلائل وصل "نابليون" مشارف القاهرة، ولقي جيشه جيش المماليك ودارت الدائرة على المماليك وأخذهم الرعب، وتفرقوا شذر مذر، وتركوا القاهرة عارية مكشوفة ليس لها حام يحميها؛ فكان ذلك كله مصداقًا لما سمعه المشايخ من المستشرقين فوجفت قلوبهم، وخافوا أن يحل بالقاهرة ما حل بقرى الوجه البحري من الفظائع، فلما دخل نابليون القاهرة وأصدر أمره بتكوين الديوان من تسعة من المشايخ الكبار استجاب ستة منهم لدعوة "نابليون"، ثم استجاب أيضًا ثلاثة آخرون لتمام التسعة، ورفض "السادات"، و"عمر مكرم"، و"محمد الأمير" أن يستجيبوا لدعوته.

والذي دعا هؤلاء للاستجابة خوفهم على مصير القاهرة التي تُركت بلا حام يحميها بعد أن خذلها حماتها من صناديد الحرب والقتال "وهم المماليك المصرية"؛ فلم يرَ المشايخ سبيلاً إلى حقن دماء العامة: رجالاً ونساءً إلا المهادنة، وإلا الصبر والسكينة؛ حتى يكشف الله هذه الغمة بما شاء -سبحانه-، فكانت استجابة هؤلاء المشايخ التسعة لتكوين الديوان منهم أول زلة، وكانت هذه الاستجابة أيضًا أول نجاح حازه الاستشراق في تدجين بعض المشايخ الكبار.

ولكن لم تلبث الأمة خاصتها وعامتها أن رفضتْ الاستماع إلى هؤلاء المشايخ المدجنين، واستمعت إلى آخرين من المشايخ، والى صغار طلبة العلم بالأزهر الذين رفضوا نصيحة المشايخ التسعة الكبار، وقامت ثورة القاهرة وثورات الأقاليم بعد ثلاثة أشهر من تدجين التسعة الكبار، ومن دخول جزار القاهرة أرضًا لم تطأها من قبْل قَدَم غاز صليبي محترق كالميكيافلي "نابليون" الذي غرَّ هؤلاء التسعة وخدعهم حسن استقباله لهم وتوقيرهم، خداعًا لهم بمداهنته ومكره ودهائه، وكان بعد ذلك ما كان من سفح الدماء ليلاً ونهارًا، جهرة وخفية؛ لم يستثنِ الجزار ولا خلفاؤه شيخًا فانيًا، ولا طفلاً رضيعًا، ولا امرأة عاجزة حتى انكشح هو وجنوده من أرض مصر بعد ثلاث سنوات خزايا مقهورين".

تعليق:

اكتفينا بهذا المقطع المختصر لعرض أحداث الحملة الفرنسية؛ لما فيه من التركيز على الحدث الأبرز على صعيد الغزو الثقافي، وهو محاولة المحتل "تدجين المشايخ"، ووقوع بعضهم في هذا الفخ، ومع هذا تلطف الأستاذ "محمود شاكر" في التماس العذر لهم؛ إلا أن هذا لا ينفي بقاء الدرس عبرة لمن يعتبر.

ويبقى السؤال: هل هذا السلوك... محاولة "تدجين" المشايخ حكر على الغزاة الكفار أم من الممكن أن يفعله بعض حكام المسلمين الظلمة؟!

والجواب: أنه سلوك يفعله كل مستبد، وعلى العلماء والدعاة أن يحذروا دائمًا من الوقوع في فخ "الميل" إلى الحاكم الظالم؛ فضلاً عن الكافر، ولكن الآليات تختلف بلا شك من حال إلى حال، فهذا "عمر مكرم" أبرز رافضي ديوان "نابليون" كانت له تجربة مع نصيحة المماليك مما أسفر عنه وثيقة تعهدهم برفع المظالم، ثم كانت له أيضًا وقفة نصِّب على إثرها "محمد علي" واليًا على مصر، وهو الحدث الأكثر وضاءة في تاريخ قيام العلماء بدورهم السياسي في الأمة.

ومهما يكن من أمر تنكُّر "محمد علي" فيما بعد للشيخ "عمر مكرم"؛ فسيبقى مساندته لأمثل الأمراء المسلمين في زمانه مع إنكاره للمظالم ونهيه عنها في مقابل اعتزاله لـ"نابليون" وديوانه - درسًا بليغًا للذين يسوون بين الحالين على الرغم مما بينهما من بون شاسع.

الصفحة السابقة