أنا كنتُ أظلم!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الإقرار بالخطأ والاعتراف بالحق "ليس فضيلة فحسب"، بل واجب وفريضة؛ فهو أول طريق التوبة وإصلاح النفس، وهو أول طريق أداء الحقوق لأصحابها، وتخليص النفس مِن آفاتها ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (يوسف:97) .
وقال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:135) ، وقال -سبحانه-: ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:102) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ ) (رواه مسلم) .
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "إن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب، ولا مع الإصرار عليها، فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى، والثاني: غي ينافي قصده وإرادته؛ فلذلك لا تصح التوبة إلا مِن بعد معرفة الذنب والاعتراف به، وطلب التخلص مِن سوء عاقبته أولًا وآخرًا" (مدارج السالكين) .
فالاعتراف بالذنب إذن والإقرار به أولى أسباب التوبة منه والندم على فعله، والرجوع إلى الله -سبحانه-.
وكم يعجب المرء حينما يطالع أخلاق الأنبياء والرسل وأتباعهم، وما كانوا عليه مِن المكارم والآداب، والاعتراف بالتقصير، وسرعة الرجوع إلى فيه مرضاة الله -تعالى-؛ فهذا آدم أبو البشر يقول وهو حواء -عليهما السلام- كما أخبرا لله عنهما: ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف:23) .
وقال -تعالى- عن يونس -عليه السلام-: ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنبياء:87-88) .
وقال -تعالى- عن موسى -عليه السلام-: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (القصص:16) .
وفي حديث الشفاعة الطويل يذكر الأنبياء ذنوبًا منعتهم مِن التقدم لهذا المقام المحمود العظيم الذي اُختص به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، والذي كان مِن دعائه الشريف: ( اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ, فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي, إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (متفق عليه) .
وكان يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في دعاء سيد الاستغفار: ( أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ) (رواه البخاري) . أبوء: أي أعترف.
ومعلوم عصمة الأنبياء مِن الذنوب -وإن جوَّز بعض العلماء عليهم الصغائر غير المزرية-، وأنهم لا يتعمدون فعل شيء منها؛ وما سُمِّي في حقهم ذنب فهو: إما أن يكون نسيانًا: كمعصية آدم -عليه السلام- كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (طه:115) ، أو خطأ غير مقصود: كفعل موسى -عليه السلام- في قتل الذي قتل خطأ، أو فتورًا عن الذكر: كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ) (رواه مسلم) ، والغين هو: الفتور والغفلة عن الذكر. أو خطأ في الاجتهاد: كعتاب الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ) (عبس:1-2) .
ومع ذلك سُمِّي مثل ذلك ذنبًا في حقهم؛ لأجل عظيم منزلتهم عند الله -تعالى-، فلا يُعفى لهم ما يعفى عن غيرهم في ذلك.
وهذا صديق الأمة -رضي الله عنه- وقع بينه وبين صاحبه عمر الفاروق شيء مما يجري ويقع بيْن الأصحاب والإخوان؛ فما كان منه إلا أنه زاد على مقام الإقرار والاعتراف بالخطأ بكلمة تعبِّر عما في النفس مِن سماحة وسخاوة، وشفقة أن ينزل عقابٌ وجزاءٌ على أحدٍ مِن الأصحاب لمجرد الخلاف أو الاختلاف، فجهر أمام الناس بقوله: "أنا كنت أظلم"؛ قالها متبرئًا مِن أهواء النفوس، ومستعليًا على رغباتها في الظهور بصورة المحق والمصيب على الدوام!