أنا كنتُ أظلم!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
فعن أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ ) فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: ( يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ) ثَلاَثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لاَ، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ-، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي ) مَرَّتَيْنِ، فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا. (رواه البخاري) .
والمتأمل في حال الصديق -رضي الله عنه- لا تنتهي دهشته وحيرته مِن هذا المشهد الإيماني العظيم الذي جسده الصديق في ذلك الموقف، وما أبداه مِن حرصٍ شديدٍ على صفاء القلوب بيْن المؤمنين وإصلاح ذات البين، وإزالة الشحناء مِن الصدور؛ فقد سعى -رضي الله عنه- إلى استجلاب الود مِن عمر -رضي الله عنه- واعتذر إليه ليزيل ما قد يقع في قلبه مِن ضيق أو شحناء تجاهه، ولم يكتفِ بذلك أو يقل في نفسه: "قد فعلتُ ما عليَّ واعتذرتُ إليه فأبى" أو "ماذا أفعل فوق ذلك؟!"، بل ذهب شاكيًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ملتمسًا لشفاعته ووساطته في الإصلاح بينه وبيْن عمر -رضي الله عنه-.
ولما رأى الصديق -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تمعر وجهه وغضب مما سمع مِن إباء عمر أن يغفر للصديق ما وقع منه؛ أشفق الصديق على صاحبه أن يغضب عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يفرح أو يشمت؛ بل جثا على ركبتيه أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- متشفعا لصاحبه المقرَّب عمر -رضي الله عنه- قائلاً: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ".
فيا لها مِن نفس رائقة صافية علت على أهواء النفوس، واستعصت على دسائس الشيطان ووساوسه، وصَدَق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما قال: "العارف لا يَرى له على أحدٍ حقـًّا، ولا يشهد على غيره فضلاً؛ ولذلك لا يعاتِب، ولا يطالِب، ولا يضارب!".
قالها الصديق: "أنا كنت أظلم!" وهو أعظم المؤمنين بعد الأنبياء والرسل وهو أفضل مَن صحب الأنبياء، ولم ينقص ذلك مِن قدره شيئًا، بل زاد في منزلته ومكانته عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعند المؤمنين.
قالها الصديق: "أنا كنت أظلم!" رغم أنه ندِم على ما فعل، وأخذ بأسباب التوبة والخلاص مِن شيء يسير كان بينه وبين صاحبه عمر -رضي الله عنه-، فاستعتبه وأسرع إليه معتذرًا ونادمًا، ورغم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استغفر له ثلاثًا كما في الحديث السابق: "ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. ثَلاَثًا"... ومع ذلك كله يقول الصديق: "أنا كنت أظلم!".
قالها وهو أول رجل صدق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وتابعه وأيده، وبذل نفسه وماله في سبيل نصرته، وهو الذي زكاه الله في القرآن بقوله: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) (الزمر:33) .
وهو مَن قصده الله بقوله: ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ) (التوبة:40) .
وهو الذي بذل نفسه وماله في سبيل الله ونصرة دينه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وهو الذي أبى الله له إلا أن يكون في أعلى المقامات فلم يرضَ الله -سبحانه- له ما قد يقبل مِن غيره، فقال في شأنه بعد ما أقسم أن يقطع نفقته عن مسطح -رضي الله عنه- بسبب ما وقع منه في حادثة الإفك في حق ابنته عائشة الصديقة الطاهرة العفيفة -رضي الله عنها-: ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (النور:22) ، فقال الصديق: "وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا" (متفق عليه) .
فمع كل تلك الفضائل، وغيرها كثير... يقول الصديق -رضي الله عنه-: "أنا كنتُ أظلم!".
فكيف بمن دونه "والكل دونه -حاشا النبيين والمرسلين-"؟!
فما أحوجنا إلى تلك الكلمة: "أنا كنت أظلم!".
نحتاج إليها في اتفاقنا واختلافنا.
نحتاج إليها في بيوتنا، وأماكن عملنا، وفي مساجدنا.
نحتاج إليها في كل معاملاتنا؛ مع الصغير والكبير، والبعيد والقريب.
نحتاج إليها حتى تسود بيْن المسلمين روح الإخاء والود، والتراحم والتعاطف، ويزول مِن الصدور ما قد يكون علق بها مِن غل أو شحناء تنتج عن التعصب، والقسوة، والعجب بالرأي، وغمط الناس حقوقهم، وعدم الاعتراف بالخطأ والتقصير.
ومما يعين المرء على الاعتراف بالخطأ والإقرار بحقوق الآخرين عليه:
- الحرص على تزكية النفس، وتطهيرها مِن الآفات والأمراض؛ فإن فلاح العبد لا يحصل إلا بذلك: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:9-10) ، وهذه التزكية إنما تحصل بقدر ارتباط المسلم بالوحي المنزل مِن الكتاب والسُّنة.