وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (5)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
مِن السجن إلى التمكين والمُلك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- الإشارة إلى أن أحداث اليوم تتناول قصة خروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن ووصوله إلى المُلك؛ قصة التمكين الثاني ليوسف -عليه السلام- بعد التمكين الأول بالنبوة وتأويل الأحاديث، قال الله --تعالى-- عن الأول: ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) (يوسف:21) ، وقال في الثاني: ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:56) .
- تذكير مختصر بما سبق لربط الحديث بما انتهى إليه في المرة السابقة.
- الإشارة إلى أن أحداث اليوم تتلخص في أربعة مشاهد، وهي: "مشهد الشفاعة المشروعة - ومشهد رؤيا الملك - ومشهد ظهور البراءة - ومشهد التمكين والمُلك".
المشهد الأول: شفاعة مشروعة:
قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) (يوسف:42) .
- ملخص الآية: يخبر ربنا -تبارك وتعالى- أن يوسف -عليه السلام- قال للذي ظنه ناجيًا منهما "وهو الساقي" اذكر أمري وما أنا فيه مِن السجن بغير جُرم عند الملِك ليحقق في القضية ويظهر الحق؛ فأنسى الشيطان الناجي منهما أن يذكر ما وصاه به يوسف -عليه السلام-.
1- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، والسعي في إزالة الظلم لا ينافي التسليم لقضاء الله: روى البخاري-رحمه الله- بسنده أن الطاعون لما نزل بأهل الشام، أبى عمر -رضي الله عنه- أن يدخلها، فقال له أبو عبيدة: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ" (متفق عليه) . "وهي سنة مطردة، فالجوع قدر، والأكل قدر، والعطش قدر، والشرب قدر، وهكذا..."، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا شَاءَ ) (متفق عليه) .
2- ( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ): فيه تسلية لقلب كل مبتلى، فإن أكرم الناس بقي في السجن بِضْعَ سِنِينَ، ولقد كان السجن ليوسف -عليه السلام- كقشرة البيضة للفرخ، لا يخرج منها حتى يكتمل نموه ومناسبة الأجواء الخارجية، ولقد ازداد يوسف -عليه السلام- في السجن علمًا وزهدًا، وعبادة وقربًا مِن الله، حتى استوى عنده السجن والقصر، فقال للداعي: ( ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ) (يوسف:50) .
- ( فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ): انشغل الساقي بحياة القصور والخمور، وانشغل العزيز وامرأته بحياة الترف، ونسوا جميعًا يوسف -عليه السلام- في السجن سنوات، ولكن العليم الحكيم، اللطيف لما يشاء لا يَنسى!
المشهد الثاني: رؤيا الملك:
قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ . قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ . وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ . يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ . قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) (يوسف:43-49) .
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن مَلِك مصر أنه رأى في منامه كأنه في روضة فيها سبع بقرات سمان، فجعلن يرتعن في هذه الروضة، ثم جاءت بقرات هزال ضعاف فأكلن السبع السمان، ثم رأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذ بسبع يابسات تأكلهن؛ فاستيقظ مذعورًا، فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم مَن يحسن تعبيرها، فعند ذلك تذكر الناجي مِن السجينين، وجاء إلى يوسف -عليه السلام- فسأله، فبذل يوسف -عليه السلام- ما عنده مِن العلم بلا تأخر، ولا شَرَط، ولا طَلب الخروج سريعًا، بل أجابهم وعبَّر لهم منام الملِك الدال على وقوع سبع سنين مِن الخصب ويعقبها سبع جدب، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حال خصبهم وجدبهم وما يفعلونه مِن ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأول في سنبله إلا ما يحتاجون لأكلهم، بل زادهم بشرى الغيث في عام يكثر فيه الحصاد حتى يعصر الناس بالزيادة، والظاهر أنه عرفه بالوحي، وذلك كله عن تقدير وحكمة مِن اللطيف العليم!
قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذا كله مِن جملة أسباب خروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن على وجه الاحترام والإكرام".
1- مشاهدة تدبير الله في ملكه: فهو مقلب القلوب، آخذ بنواصي العباد، يقدِّر -سبحانه- أن يرى الملك رؤيا وينزعج لها، ويبحث عن تأويلها، وكم مِن رؤى يراها الملوك والناس ولا يعبأون بها، ولكن خالق الأسباب ومصرف القلوب والأبصار، ومدبر الأمر يقدر ذلك لإخراج يوسف -عليه السلام- مِن السجن مكرمًا معظمًا.