وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (5)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
2- عظيم كرم يوسف، فلم يمتنع مِن الإجابة نقمة عليهم، ولم يعاتب الساقي لتقصيره، ولم يشارط على شيء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( جِبْتُ لِصَبْرِ أَخِي يُوسُفَ وكَرَمِهِ, وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ حَيْثُ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ليُسْتَفْتَى فِي الرُّؤْيَا، وَلَو كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ حَتَّى أَخْرُجَ، وعَجِبْتُ لصَبْرِهِ وكَرَمِهِ وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، أُتِي لِيُخْرَجَ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى أَخْبَرَهُمْ بِعُذْرِهِ، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَبَادَرْتُ الْبَابَ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .
المشهد الثالث: ظهور البراءة:
قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ . قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ . وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (يوسف:50-53) .
ملخص الآيات: يخبر -تعالى- أن الملك لما أحاط علمًا بكمال علم يوسف -عليه السلام- وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه الرشيد، أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون مِن جملة خاصته، فلما جاءه الرسول بذلك أحب ألا يخرج حتى يتبين لكل أحدٍ أنه حُبس ظلمًا وعدوانًا، ولقد كان ما أراد حيث استدعى الملك النسوة، وحقق في القضية حتى اظهر الله الحق، وافتضح أمر الظالمين، ورفع الله شأن نبيه الكريم.
- يختار العبد لنفسه أمرًا، ويختار الله له ما هو أفضل وأحسن، وكان يوسف -عليه السلام- يريد أن يخرج في أول سجنه بشفاعة الساقي، فاختار الله له أن يخرج بطلب الملك، ويكون معززًا مكرمًا.
- ( قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ ) (متفق عليه) .
- ( قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ): فيه استعمال القرائن القوية في الضغط على المتهم للاعتراف كما هو قول جماهير العلماء؛ خلافـًا لابن القيم -رحمه الله- في "إعلام الموقعين" حيث جعلها دليلاً بنفسها.
- ( قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ): وهكذا وضع الله العزيز الفاسد والنسوة، ورفع الله المظلوم يوسف -عليه السلام- ( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) (فاطر:43) .
المشهد الرابع: التمكين والمُلك:
قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ . قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) (يوسف:54-57) .
ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- أنه لما ظهر للملك براءة يوسف -عليه السلام- ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه قال: ( ائْتُونِي بِهِ ) به أجعله مِن خاصتي، ومِن جملة أكابر دولتي، فلما كلمه وسمع مقالته قال: ( إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ) أي إنك اليوم عندنا ذو مكانه وأمانه فطلب يوسف -عليه السلام- أن يوليه الإشراف على خزانة طعام الدولة، لما يتوقع مِن حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سنين الخصب، ينظر فيها بما يرضي الله مِن خلقه؛ فولاه الملك مكان العزيز، وهو الذي يليه في السلطان، وأطلق يده في أمر المملكة، فاستوثق ليوسف -عليه السلام- مُلك مصر، وعمل بينهم بالعدل فأحبه الناس جميعًا! ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ) (يوسف:100) .
- أزال الله مُلك العزيز والأمراء الظلمة بتقديره وتدبيره: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:26) ، وفي الإسرائيليات أن امرأة العزيز قالت: "سبحان الذي يجعل العبيد ملوكًا بطاعته، ويجعل الملوك عبيدًا بمعصيته!".
- وقفة مع السياق: المتأمل لسياق الآيات يدرك سر كون القرآن علاجًا للهموم والأحزان، وربيعًا للقلوب؛ فهو يَذكر محنة الصالحين في إجمال ( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) ويذكر عزهم ونصرهم في تفصيل ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ) إلى ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ).
- ( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ): تذكير دائم بالآخرة، فمع ذكر التمكين والمُلك والسلطان تأتي المقارنة تنبيهًا للنفوس بألا تركن إلى زينة الدنيا، وكذلك مواساة للصالحين الذين لم يكن لهم المُلك والسلطان بأن هناك ما هو أفضل.
خاتمة:
ثم قال -تعالى-: ( وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) (يوسف:58) .
كيف جاءوا؟ ولماذا جاءوا؟ وماذا حدث لما جاءوا؟
هذا ما يأتي عليه الجواب -إن شاء الله- في المرة القادمة.