شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أساليب نشر العالمانية (1) صُنع الظروف المولـِّدة للعلمانية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالعلمانية نبتٌ غريب على بلاد الإسلام ما فتئ أصحابه يحاولون غرسه في بلاد الإسلام؛ لا يكاد يتماسك زرعه إلا كما يتماسك الزرع النابت في طبقة رقيقة من التراب على صخر أملس فتنمو شيئًا ما؛ حتى إذا فرح بها أصحابها أتتها أمطار الحجة فغسلت الزرع والتربة، وتركته صلدًا، مثلهم في ذلك كالمثل الذي ضربه الله -تعالى- في قوله: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (البقرة:264) .

وإذا استصحبنا هذا المثل فسنجد أن جهود المستشرقين -التي أكملها مِن بعدهم تلاميذهم عن علم أو عن جهل- تدور حول عناصر هذا المثل ما بيْن محاولة وضع تلك الطبقة الترابية فوق الصخر الصلد، وما بين محاولة سقي هذا الزرع وتثبيته بما يتوافق مع عجزه وضعفه، وما بين منع الوابل الصيب المستمد من نور الوحي من أن يعمل أثره في إزاحة هذا النبت الهزيل؛ ومِن ثَمَّ يمكن تلخيص طرقهم في عدة محاور رئيسية، تحت كل منها محاور فرعية يمكن إجمالها على النحو الآتي:

1- صنع الظروف المولـِّدة للعلمانية، وذلك مِن خلال:

- افتعال الصدام بين الدين والعقل.

- افتعال الصدام بين الدين والعلم الحديث.

- افتعال الصدام بين الدين ومتطلبات الحياة الحديثة.

2- تكريس الواقع المنحرف لا سيما في المجالات الآتية:

- مجال الحكم بتكريس الديمقراطية الليبرالية ومنع محاولات أسلمة الديمقراطية.

- مجال الاجتماع "خصوصًا ما يتعلق بالأسرة والمرأة".

- مجال الاقتصاد "وخصوصًا فيما يتعلق بالربا والميسر".

- مجال الفنون والآداب.

3- ترويض الظاهرة الدينية عبر الوسائل التالية:

- الزعم أن الدين علماني بطبعه.

- المطالبة بعلمنة الدين.

- تثوير الدعوة الإسلامية.

4- ترويع المؤسسات الدينية "الرسمية والأهلية!".

وسوف نتناول هذه الأساليب في سلسلة مقالات، ونبدأ في هذا المقال بالأسلوب الأخطر والأهم، وهو: "صنع الظروف المولِّدة للعلمانية":

لقد نشأت العلمانية في ظروف معينة، وهذه الظروف هي باختصار شديد:

- المصادمة بين الدين النصراني المحرَّف وبين العلم.

- المصادمة بين الدين النصراني المحرف وبين العقل.

- الطغيان الكنسي لوجود نظام الحكم المسمى بالدولة الثيوقراطية، وهي لا تعني وجود شريعة تطبق مِن خلال حاكم عادل، ومِن خلال قضاة عادلين، ولكن الحكم الثيوقراطي عندهم يعني أن الشريعة ذاتها غير محددة بناءً على عقيدتهم مِن أن الوحي لم ينقطع، وأن رجال الدين هم الذين يقطعون في كل شيء بلا ضابط، وبدون أن يحاسبهم أحد!

وهذه الظروف لا وجود لها إطلاقًا عندما نتحدث عن الإسلام "أي أننا عندما نتحدث عن الإسلام لا يوجد أي تناقض بين الإسلام وبين العقل"؛ فلا يوجد تناقض بين نصوص الكتاب والسنة بعضها البعض، ولا يوجد كهنوت، ولا يوجد حاكم مطلق مِن البشر؛ وإنما الحاكم المطلق هو الله -تعالى- ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) (الأنعام:57) ، وحتى الرسل إنما يبلغون عن الله -عز وجل-؛ فطاعتهم مطلقة باعتبار البلاغ، وأما مَن دون الرسل؛ فالأمر في غاية الوضوح، ولقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى هزِّ، بل نسف ثقة الرجل الغربي المتدين في إيمانه، وفي دينه؛ ومِن ثَمَّ "خلا الجو للعلمانية".

وعندما علـَّم المستشرقون تلاميذهم هذه القضايا كانت المغالطة الكبرى أنهم "أوهموهم" أن جميع الأديان متشابهة في خصائصها؛ لا سيما في العيوب التي اضطروا إلى الاعتراف بوجودها في دينهم، ونحن معشر المسلمين نعتقد اعتقادًا راسخًا أنه كتبها الأحبار والرهبان بأيديهم، وادعوا "أنها مِن عند الله!"، ولكن العقبة التي واجهها دعاة العلمانية في بلاد الإسلام أن كل هذه المبررات لا وجود لها في الإسلام، وأن المجتمعات الإسلامية متدينة بطبعها؛ وبالطبع يوجد الكثير مِن الانحرافات في التطبيق، ولكنها تبقى بعيدة كل البعد عن الكفر بالدين أو الشك في الشريعة، أو اعتبار أن السعادة في مخالفتها.

وبدلاً مِن أن يُراجِع القوم أنفسهم فليست الخيارات محصورة بيْن دين يناقض العقل أو لا دين -كما توهموا!-، بل ثمة دين لا يناقض العقل ولا يعوق العلم "بل يهيئ له المناخ"؛ إلا أن القوم أصروا على غيهم! وأصروا أن يزعموا أن كل العوامل والمبررات التي أدت إلى طغيان العلمانية في الغرب موجودة في دين الإسلام، وراحوا يفتشون أو يزعمون أمثلة من هذا القبيل.

وشمل هذا الجوانب الآتية:

- افتعال الصدام بين الدين والعقل:

لعل الصدمة الرئيسية التي تلقاها الأوروبي وهو في بداية عصر النهضة العلمية أن النهضة العلمية تحاول أن تنمي عقله، وأن تنمي عنده روح البحث؛ بينما إيمانه الكنسي يطالبه بأن يحشو عقله بما يناقض العقل والمنطق، وبأمور يناقض بعضها بعضًا! ومِن ثَمَّ كان مناقضة كتب أهل الكتاب للعقل وتناقضها فيما بينها -وهذا راجع لما فيها مِن تحريف كما أسلفنا- هو السبب الرئيسي الذي زلزل إيمان هؤلاء.

ومنذ فترة مبكرة في تاريخ الإسلام أكثرَ الزنادقة مِن الطنطنة حول هذه الأمور، ولم يكن الغرض حينئذٍ هو الدعوة إلى العلمانية، ولكن كان الغرض هو فتنة المؤمنين عن دينهم، وقد تصدى لهم جهابذة العلماء، وكانت لهم معهم صولات وجولات كردود "أبي حنيفة" -رحمه الله- على الزنادقة، وجواب "الشافعي" -رحمه الله- على شبهاتهم، وأجوبة "ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث"، و"الطحاوي في مشكل الآثار"، وغيرهم كثيرون... حتى جاء شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- فجعل قضية "درء تعارض العقل والنقل" هي شغله الشاغل، وصنـَّف مصنفًا كبيرًا يَحمل هذا الاسم، ولم يخلُ مصنف مِن مصنفاته من التعريج على هذه القضية بصورة أو بأخرى، ولما جاء العلمانيون إلى بلادنا، ووجدوا حصون الإسلام منيعة مِن أن تُرمى بمخالفة العقل؛ لجأوا إلى أساليب... منها:

إعادة نشر شبهات الزنادقة:

الصفحة التالية