شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أساليب نشر العالمانية (1) صُنع الظروف المولـِّدة للعلمانية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

فمن طرقهم المكررة الممقوتة تكرار شبهات الزنادقة والمشككين عبر التاريخ، ومِن الأشياء العجيبة أيضًا أن البعض منهم يأتي ببعض الشبهات ويعرضها ولسان حاله يقول: "إني أتيت بما لم تستطعه الأوائل!"، ثم تفاجأ أن الشبهة موجودة في كتب الأقدمين، وقد ردَّ عليها -مثلاً- "ابن قتيبة" -رحمه الله- في "تأويل مختلف الحديث" أو غيره، بل تجدها بنفس ألفاظها تقريبًا؛ وهذا يجعلنا نقطع أن هناك شخصًا ما -إن لم يكن هذا الشخص المتكلم بعينه فأستاذه أو أستاذ أستاذه- لجأ إلى هذه الكتب فقرأ الشبهة وقرأ الرد، ثم كتم الرد ونشر الشبهة، أو أعاد إنشاءها على أنه ينشؤها من البداية تلبيسًا وخداعًا.

تقديم المناهج الخرافية على أنها هي الفهم الصحيح للإسلام:

ومِن أعجب الأمور: أن تجد أن الدول الكبرى التي ما تفتأ تتحدث عن العقلانية والعصرانية هي التي تساند وجود التيارات الخرافية، مثل: "الشيعة - والصوفية!"، والأمر يتعدى مجرد الدفاع عن حقهم في اعتناق ما يشاءون إلى الدعم المادي للاحتفالات والموالد التي يحدث فيها من مخالفات العقل والفطرة ما يخجل منه رموز الصوفية أنفسهم إذا طـُلبوا للمناظرة!

ومِن أعجب العجب: أن يجمع الشخص الواحد بيْن تبني هذه الأفكار وبين اعتبارها دليلاً على أن دين الإسلام مثله مثل غيره لم يخلُ من الخرافة؛ فيدافع عن وجود هذه الانحرافات ثم يستثمر وجودها في إثبات التعارض بين الوحي والعقل بما يلزم منه الرجوع إلى العقل ورفض الدين، أو رفض اتخاذه مرجعًا أخلاقيًّا وثقافيًّا عامًّا.

إثارة الجدل في الأمور التي لها أصل صحيح، لكن لحق بها الكثير مِن الخرافات:

فمِن أساليبهم في ذلك: كثرة الكلام في الموضوعات التي لها أصل صحيح في الشرع، ولكن هذا الأصل أصبح "نقطة في بحر"؛ بالنسبة لما راج بين الناس حوله، مثل موضوعات: "الجن - والسحر - والحسد"، وكلها مذكورة في "القرآن والسنة"، لكن يتم عرض الموضوع كما هو في التراث الشعبي، ثم يُستضاف الضيوف الذين يكونون بيْن مقر ومنكر؛ والصحيح هو التفصيل "لكن غالبًا لا يُستضاف مَن يمثـِّل أو -يفصِّل- هذا التفصيل!".

وإن تصدى الدعاة والخطباء لبيان الخطأ مِن الصواب في هذه الأبواب؛ استثمر العلمانيون هذا في إثبات أن دعاة الإسلام لا يشغل بالهم إلا "الجن والعفاريت" في الوقت الذي صعدت فيه "البلاد العلمانية" إلى القمر، وصنعت كذا... وكذا... !

افتعال الصدام بيْن الدين والعلم الحديث:

وهذا الباب قريب مِن سابقه إلا أنه يختلف عنه بكونه أكثر منه اقترابًا من فكر الرجل العادي؛ فادعاء أن الدين فيه أخبار مخالفة للعقل -كما يدعون في بعض الغيبيات!- قد لا يعني شيئًا ذا بال عند الرجل العادي، ولكن عندما يتم الادعاء بعداء الدين لعلوم الطب والفلك والهندسة؛ فإن هذا يكون أكثر إثارة للعامة أكثر مِن مجرد الادعاء بوجود التعارض بين الدين والعقل.

وقد تحمَّل المواطن الأوروبي وطأة الإيمان بدين فيه ما يناقض العقل، ولكنه ثار حينما علم أن الدين يقف عائقًا أمام نظريات علمية مِن شأنها أن تحل له الكثير مِن مصاعب حياته، وبالتالي سيظل المفكرون العلمانيون يرددون "كالببغاوات" أن وجود بعض الأحاديث التي ترشد إلى نصائح في باب التداوي "كالتداوي بالحجامة - أو بحبة البركة - أو بعسل النحل" - أن هذا يلزم منه إغلاق كليات الطب! مع أنه لم يقل بذلك أحد، ولم يشر إلى ذلك أحد لا مِن قريب ولا مِن بعيد، وغاية ما هنالك أن مَن أخذ بهذه التوجيهات النبوية وعمِل بها مِن الأطباء؛ استطاع أن يحقق تقدمًا كبيرًا لأساليب العلاج في زمانه، وأنه "ومع تقدم العلم الحديث" ما زالت هذه الأساليب الطبية صالحة كوسائل أساسية أو ثانوية أو وقائية في كثير مِن الأمراض!

ومِن المفيد ها هنا: أن نأخذ على أيدي بعض العامة، بل وربما بعض الدعاة المشهورين بحب المبالغات التي تضر أكثر مما تنفع؛ بينما الواجب تنزيه الشريعة مِن أن تنسب إليها تجارب الأطباء -فضلاً عن غيرهم- في العلاج بـ"عسل النحل" على أنها بتفاصيلها وحي من الله! وإنما الثابت فقط هو أصل الإشارة إلى أن هذا مِن أبواب التداوي، وأما ما سوى ذلك فجهد بشري.

افتعال الصدام بيْن الدين والحياة الحديثة:

وهذا الخطاب هو المعتمد "لدى معظم الإعلاميين الدائرين في الفلك العلماني"؛ سواء شعروا أم لم يشعروا، ولكنهم يكرسون للعلمانية دون أن يوجَّه لهم الاتهام بالعلمانية أو غيرها، وهذا النمط من الإعلاميين يمارس دور "التلميذ المشاغِب" الذي يطرح أسئلة غرضها إعاقة المدرس عن الشرح، وإثبات استحالة الفروض الأولية التي سوف ينطلق منها، وهذه الأسئلة تمس "رغيف السامع، وحياته كلها... !".

وهذه الأسئلة مِن قبيل:

- سلمنا لكم أن البنوك ربا، ولكن الاقتصاد العالمي قائم عليه؛ فهل ننعزل عنه إذا أردنا تطبيق الشريعة؟!

- سلمنا لكم أن العري حرام، ولكن السياح لا يأتون إلا بهذه الهيئة، والسياحة تمثل كذا... وكذا... مِن الدخل القومي؛ فهل نلغيها؟!

- سلمنا لكم أن إقامة الحدود عدل، وأنها الوحيدة التي تحقق الردع الخاص والعام الذي يسعى إليه القانون الوضعي، ولكنه يفشل عندما غلت الأمم المتحدة يده عن اللجوء لمثل تلك العقوبات الرادعة، والأمم المتحدة تفرض عقوبات على البلاد التي تطبق عقوبات بدنية؛ فهل نتحمل مثل هذه العقوبات؟!

وهي قائمة من الأسئلة التي لا تنتهي، ويُلاحَظ عليها الملاحظات الآتية:

- أن السائل دائمًا ما يَفترض أن الشريعة أمر يخص الدعاة إليها ولا يخص عموم المسلمين؛ ومِن ثَمَّ فهو يملك رفاهية طرح الأسئلة، ولا يحمِّل نفسه عناء البحث عن إجابة! ونحن نعترف بأن هناك صعوبات في تغيير واقع ترسَّخ عبر عدة قرون، ولكننا نخاطب جميع المسلمين بأن الشريعة شريعتهم والقضية قضيتهم، وأن على الجميع أن يقدِّم الحلول، والشريعة تتضمن أحكامًا لأحوال الاختيار، وقواعدَ للتعامل مع أحوال الاضطرار.

الصفحة السابقة الصفحة التالية