شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أساليب نشر العلمانية (2) تكريس مظاهر العلمانية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالعلمانية هي "فصل الدين عن الحياة"، وقد ظهرتْ في بلاد أوروبا لعوامل راجعة إلى التحريف الذي دخل الدين النصراني، الذي جعله متناقضًا في ذاته مِن جهة ومناقضًا للعقل من جهة أخرى، كما كان لادعاء القساوسة أن الوحي مستمر عن طريق إلهام مجامعهم الكنسية ومِن ثَمَّ تبنيهم لنظريات علمية وادعائهم أنها مِن جملة الوحي الإلهامي - الأثر الأكبر في الصدام بيْن الدين والعلم هناك؛ مما نتج عنه اجتياح العلمانية للعالم الغربي.

وحينما جاءت العلمانية إلى بلاد المسلمين لم تجد ذات البيئة التي أنتجت العلمانية في أوروبا؛ فعمِلتْ على محاولة فرضها وصنعها "ولو بالتزييف!" -كما بيَّـنـَّا في المقالة السابقة-، ومع هذا فقد نجحت العلمانية في فرض نفسها على العالم الإسلامي باستعمال الكثير مِن الأساليب.

والتي يمكن إرجاعها إلى ثلاثة أساليب، هي:

1- الضغوط الخارجية: وتَمثَّل هذا في أمور، مِن أبرزها: نظام الحكم والقضاء، وقضايا المرأة والحريات.

2- استغلال حالة الفراغ في بعض المجالات: كمجال التعليم الجامعي الذي كانت بداياته على أيدي العلمانيين، وإن أصبح فيما بعد مِن المنابع الرئيسية للتيار الإسلامي -بحمد الله-، وكمجال الإعلام الذي كانت بداياته على أيدي العلمانيين، بل النصارى الوافدين، وكذلك مجال الفن الذي بدأ واستمر مخاصمًا لهوية الأمة إلا في القليل النادر.

3- ويأتي في ذيل هذه الأساليب أسلوب الإقناع الذي لم يكن إقناعًا نزيهًا بقدر ما كان تزييفًا للواقع والتاريخ؛ لإيهام المتلقي بوجود مبررات لوجود العلمانية في العالم الإسلامي كما وُجدتْ في الغرب!

هذا وقد راجت العلمانية فترة وجيزة مِن الزمن، وظنت أنها مَلكت عقول الشباب بالسيطرة على التعليم، وعقول العامة بالسيطرة على الإعلام "وأهم مِن هذا كله: ترسيخ نظام الحكم العلماني"، لكنها سرعان ما اكتشفت الحقيقة التي تقول إن مكانة الدين في قلوب العامة في العالم الإسلامي أعمق من أن تهزها هذه الزخارف، وعمت العالم الإسلامي صحوة وممانعة جارفة للتيار العلماني أجبرتها على التراجع، وبدأ هذا التراجع وهي في عز زهوها؛ فاضطرت لجنة دستور 1923م في مصر إلى الموافقة بالإجماع على وضع مادة "الإسلام دين الدولة" رغم وجود عددٍ مِن النصارى في اللجنة، وكون عامة اللجنة تقريبًا مِن العلمانيين باستثناء الشيخ "محمد بخيت المطيعي" -رحمه الله- الذي اقترح هذه المادة؛ فتمت الموافقة عليها بالإجماع.

ثم صدر الدستور الكويتي عام 1962م ليأخذ خطوة أخرى للأمام، ويضع مادة تتحدث عن الشريعة الإسلامية "وثمة اعتقاد بوجود دور للدكتور عبد الرزاق السنهوري في اقتراح هذه المادة على لجنة الدستور في الكويت؛ حيث كان يعمل وقتها مستشارًا قانونيًّا لأمير الكويت"، ثم جاء الدستور المصري ليضيف هذه المادة في دستور 71، وكذلك الدستور الباكستاني واليمني؛ بينما اكتفى الدستور الأردني والتونسي بمادة "الإسلام دين الدولة"؛ وبصفة عامة فقد صارت دساتير معظم الدول الإسلامية تنص على إحدى هاتين المادتين أو كلتيهما.

وصارت معركة كبرى تحاول فيها العلمانية -مهما كان تراجعها على المستوى الفكري والشعبي- ألا تتراجع مظاهر وجودها على أرض الواقع؛ لا سيما في المجالات التي حققت فيها العلمانية في بداية أمرها وجودًا بارزًا؛ استنادًا إلى ما سبق ذكره من عوامل؛ وذلك على النحو الذي سوف نوضحه -إن شاء الله-.

شعوب العالم الإسلامي إسلامية أم علمانية؟!

مِن الموضوعات الشائكة التي تتردد كثيرًا... توصيف حال الشعوب في العالم الإسلامي: هل هي متدينة بطبعها أم أنها علمانية بطبعها؟!

ومِن المفترض أن تكون الإجابات على الأسئلة المتعلقة بتوصيف الواقع موضوعية تصف الواقع على ما هو عليه، لا على ما كان يتمنى صاحب الإجابة أن يكون الواقع عليه.

ولكننا في هذا السؤال نجد ظاهرتين:

الأولى: ادعاء العلمانيين أن الشعوب علمانية بطبعها على الرغم مِن أنك متى سألت عامة الناس مِن مختلف الطبقات الثقافية والاجتماعية عنها؛ لمَا وجدت مَن يعرف معنى العلمانية فضلاً عمن يعتنقها إلا نذرًا يسيرًا!

الثانية: محاولة بعض التيارات الإسلامية تثبيت تهمة العلمانية على العامة، تمامًا مثل "التيار القطبي" الذي يحاول جاهدًا إثبات تهمة جاهلية المجتمعات، وفي هذا الصدد تجد الأستاذ "محمد قطب" دائم الدندنة حول واقعة ضبط فتاة وشريكها في سرقة مواشي من حظيرة، وأنها دفعًا لتهمة السرقة عن نفسها قد بررت وجودها مع هذا الشخص في هذا المكان بغرض مواقعة الفاحشة، ثم ينعى الأستاذ "محمد قطب" حال الأمة التي تغلغلت فيها العلمانية حتى تشربتها تلك الفلاحة البسيطة في قريتها النائية! في حين أن هذه الفتاة التي تشترك في تشكيل عصابي لسرقة البهائم لا يمكن بحال مِن الأحوال أن تكون مقياسًا، كما أن الحيلة التي لجأتْ إليها؛ مِن الواضح جدًّا أنها حيلة قد لقـَّنها لها محاميها.

وإذا أردنا الإجابة الموضوعية على هذا السؤال؛ فسوف نجد بوضوح أن الشعوب محبة لدينها، معتزة به، وأن الأغلبية الساحقة ترى وجوب الالتزام بالشريعة؛ مما ينفي عنها تهمة العلمانية، ومع هذا فيبقى أن هناك مظاهر انحراف كثيرة راجعة إلى أسباب كثيرة.

وهذه الأسباب يمكن إجمالها في نقطتين:

الأولى: الضعف أمام الشهوات الذي يصل إلى حالة رفض أن تقوم السلطات بمنعها! مثل: "التدخين" في معظم البلاد، و"التبرج" في كثير منها، وهكذا...

الثانية: الاستسلام لفكرة شيوع الحرام في باب من الأبواب؛ مما يؤدي إلى زوال أثر تحريمه من النفس، ومِن هذا أن بعض البلاد قد انتشرت فيها الرشوة رغم حرمتها شرعًا، ومنعها قانونًا، ومن الممكن أن تجد أن مَن يقدم على تلك الجريمة يتورع عن جرائم من جنسها: كالسرقة أو الغش؛ وهذا لأنه يوهِم نفسه أن الرشوة رغم حرمتها أصبحت في حكم الحق المكتسب مِن كثرة شيوعها!

الصفحة التالية