شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أساليب نشر العلمانية (2) تكريس مظاهر العلمانية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ونفس الأمر ينطبق على الربا، وقد روي في الأثر: "يوشك أن يأتي على الناس زمان مَن لم يأكل الربا؛ أصابه مِن غباره"، وتجتهد الأبواق العلمانية في سبيل تكريس الواقع العلماني إلى مخاطبة أمثال هؤلاء "أنه ما دام أنه سيصيبك من رذاذ الربا حتمًا ولا بد؛ فلتأكله صراحة ولا حرج عليك في هذا!"، وهى حيلة شيطانية خبيثة يحاول بها العلمانيون تثبيت أقدام العلمانية في واقع الأمة بأي حجة "ولو كانت زائفة!".

مجالات الانحراف العلماني ووسائل تكريسه

أولاً: مجال الحكم والقضاء:

وهذا مصداقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَتُنْقُضَنَّ عُرَى الإِسْلاَمِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاَةُ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) ، فقد كانت أولى المجالات التي تصدَّرت العلمانية فيها المشهد: نظام الحكم "أو بالأخص الجانب القضائي منه"؛ حيث فرضت الدول الأوروبية على الدولة العثمانية نظام الامتيازات الأجنبية، والمحاكم الأجنبية مستغلة الضعف الذي دبَّ فيها وهزائمها العسكرية، وحاجتها إلى الدعم الأوروبي، وكانت هذه المحاكم تحكم بغير بالقوانين الأوروبية فيما يتعلق برعايا هذه الدول صاحبة الامتياز، ثم نشأت المحاكم المختلطة لمعالجة هذا الازدواج التشريعي في ذات البلد، وطبـِّق فيها القانون الفرنسي المترجم؛ لتصبح هذه هي أدنى وهدة في منحنى التراجع الحضاري للبلاد الإسلامية، ومع أن هذه الجولة قد جاءت عن طريق الضغط الخارجي، ورغم أن كليات الحقوق في العالم الإسلامي قد أُنشئت لتدرس ذلك القانون الفرنسي؛ إلا أن رفض الأمة لهذا النبت الغريب جاء سريعًا، وعلى يد مَن أريد لهم أن يكونوا كهنة هذا القانون الجديد، إلا أن الاستفاقة -وإن جاءت سريعة- أتت في غاية البطء، وإلى يومنا هذا وهي تسير بسرعة السلحفاة!

ومما يحسب للسنهوري باشا -رحمه الله- أنه قاد عملية العودة إلى الشريعة، ولكن للأسف أنه مما يؤخذ عليه أنه خطط لعملية عودة في غاية البطء حينما جعل أقصى طموحه في مشروع القانون المدني المصري 1948م أن يُكتب القانون بلغة عربية فصيحة غير مرتبطة بالترجمة الحرفية للقانون الفرنسي، وأن يدخل فيه ما لا يصعب إدخاله من أحكام الشريعة؛ ومنذ ذلك الحين ربما كان التطور الآخر الذي جاء على يد حكومة "ثورة يوليو" هو إلغاء تقنين البغاء، وليبقى هذا الحمل الثقيل يزداد رسوخًا يومًا بعد آخر.

وفي هذا الصدد: يبذل العلمانيون جهودًا مضنية في منع أي مشاريع قوانين تحاول التقدم خطوة في اتجاه العودة إلى الشريعة، بل ويحاولون إلغاء أو تعطيل المواد الدستورية الخاصة بمرجعية الشريعة لتمرير المزيد من القوانين المخالفة لها، ولتكريس الواقع العلماني للقوانين.

التصدي لأسلمة الديمقراطية:

يعتبر نظام الحكم الديمقراطي أفضل ما أنتجه الفكر العلماني الغربي في مجال الحكم، وذلك في مقابلة نظام الحكم الشمولي ونظام الحكم الثيوقراطي، ولكن مفكري الديمقراطية وجدوا أنه مِن الخطر -لا سيما بعد اعتماد الديمقراطية النيابية كأسلوب في معظم الدول؛ خاصة الدول التي تتميز بعددٍ كبير للسكان- أن يُمنَح الفريق صاحب الأغلبية الديمقراطية الحق في تغيير هوية المجتمع، بل ربما تغيير الديمقراطية ذاتها! فكان الحل في أن يتم وضع أصول وأسس عامة في مرتبة أعلى مِن القوانين "وهي الدستور" والتي عادة ما تقر بالديمقراطية المباشرة؛ لتكون أكثر تعبيرًا عن هوية الشعب وإرادته، وهو الباب الذي وَجد فريق مِن الإسلاميين أنه مناسب لعمل ما يمكن أن نطلق عليه: "أسلمة الديمقراطية" بأن يوضع في الدستور المواد التي تقرر المرجعية العليا للشريعة الإسلامية.

وهو الأمر الذي يحاول العلمانيون التصدي له بكل ما يملكون، ولكن التقدم الذي أحرزته الأمة في معظم البلاد الإسلامية في باب "أسلمة الدساتير" كان أكثر وضوحًا وتقدمًا بكثير مِن التقدم على المستوى القانوني، وفي هذا الباب لا يُخلِص العلمانيون لقواعدهم ولا يحترمون إرادة الأغلبية، بل يصفونها بالجهل، وبأنها تُشترى بالزيت والسكر! وفي هذا نقض لأسس التحاكم إلى الصندوق التي ينادون بها!

كما أنهم يلجأون إلى الخرق الواضح والصريح لهذه الدساتير معتمدين على الجوقة الإعلامية الكبيرة، ومِن أكثر الأمثلة فجاجة في هذا الباب؛ تصرفات وتصريحات د."جابر عصفور" الذي يصر على أن حرية الإبداع لا سقف لها مخالفًا لكل الدساتير المصرية، كما يصر على "عدم اختصاص الأزهر" بإبداء الرأي الشرعي في الأعمال الفنية بالمخالفة الصريحة لدستور 2012م ودستور 2014م الذي تولى الوزارة بموجبه!

المجال الاقتصادي:

دخل الربا إلى بلاد المسلمين تأثرًا مِن خلال قوات الاحتلال التي كانت تحتل بلاد المسلمين، وتم الضغط لتوغل الربا في حياة الأفراد والمؤسسات، ويحاول العالمانيون استغلال بعض الفتاوى الشاذة لنفي وصف الربا عن التعاملات البنكية، كما يحاولون من باب آخر إقناع العامة أنه لا مناص من الربا؛ ومِن ثَمَّ فهم يحاربون وبكل ضراوة ليس العودة إلى الاقتصاد الإسلامي، بل يحاربون أن توجد قنوات اقتصادية موازية، مثل: "إنشاء فروع معاملات إسلامية للبنوك"، ومثل: "وجود قوانين استثمار وفق النظام الإسلامي!".

المجال الاجتماعي:

في نظام الاجتماع أيضًا يحاولون تكريس كل المكاسب التي حصلوا عليها لتأليب المرأة المسلمة تحت ستار: "تأليبها على المجتمع الذكوري"، ولكن في الواقع كان "تأليبها على الشريعة الإسلامية".

أيضًا لا بد أن نعترف هنا: أننا أحيانًا نعين هؤلاء في مهمتم؛ فنجد أن المجتمعات الإسلامية مع اختلاف عاداتها يوجد فيها درجات مِن درجات ظلم المرأة, وأن هذه الدرجات يستثمرها الأعداء؛ فينطلقون مِن محاربة هذا الظلم الذي تجب محاربته شرعًا وعقلاً إلى محاربة أمور من الشرع الذي كله عدل، ولكنها وفق النظريات الغربية المعوجة فيها ظلم أو تمييز ضد المرأة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية