شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أساليب نشر العالمانية (3) ترويض الظاهرة الدينية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تناولنا في مقالتين سابقتين "أساليب نشر العالمانية"، وأجملناها في أمور ثلاثة هي:

1- صنع الظروف المولدة للعالمانية، وذلك مِن خلال:

- افتعال الصدام بين الدين والعقل.

- افتعال الصدام بين الدين والعلم الحديث.

- افتعال الصدام بين الدين ومتطلبات الحياة الحديثة.

2- تكريس الواقع المنحرف؛ لا سيما في المجالات الآتية:

- مجال الحكم بتكريس الديمقراطية الليبرالية، ومنع محاولات أسلمة الديمقراطية.

- مجال الاجتماع خصوصًا فيما يتعلق بالأسرة والمرأة.

- مجال الاقتصاد خصوصًا فيما يتعلق بالربا والميسر.

- مجال الفنون والآداب.

3- ترويض الظاهرة الدينية، وذلك عبْر الوسائل الآتية:

- تقديم عدة نماذج من العالمانية.

- الزعم أن الدين عالماني بطبعه!

- المطالبة بعلمنة الدين.

- تثوير الدعوة الإسلامية!

- ترويع المؤسسات الدينية الرسمية والأهلية.

وقد تناولنا الوسيلتين الأوليتين في مقالين سابقين، ونتناول الوسيلة الثالثة في هذا المقال -بإذن الله تعالى-.

ترويض الظاهرة الدينية:

نجحت العالمانية في فرض نفسها على واقع الحكم في الغرب مستثمرة للأخطاء الفادحة للحكم الديكتاتوري الثيوقراطي، كما نجحت في فرض واقع في بلاد المسلمين مستندًا إلى قوة الاحتلال العسكري، وبقيت هذه التركة الثقيلة لم يتم إصلاحها في الواقع القانوني رغم أنها أُصلحت دستوريًّا في كثير مِن البلاد كـ"مصر".

وعلى الرغم من ذلك فقد هُزمت العالمانية اجتماعيًّا حتى في دول أمريكا وأوروبا ذاتها، لا سيما إذا استصحبنا "مفهومهم للدين"، وأنه دين يقبل درجة كبيرة مِن درجات العالمانية -كما سيأتي إن شاء الله-.

وأما فشلها في "بلاد المسلمين" فأوضح مِن التدليل عليه.

ورغم أن كثيرًا مِن التيارات الإسلامية تخطئ "أخطاءً كارثية" يحاول العالمانيون إلصاقها بالإسلام ذاته؛ إلا أن هذا الأمر لا يَلقى قبولاً لدى القطاع الأكبر مِن الناس في بلاد المسلمين -بفضل الله-، وهذا ما دفع العالمانيين إلى سلوك اتجاه موازٍ دون التنازل عن الطريق الأصلي، وهو نشر العالمانية الصريحة والدعوة إليها، وهذا الطريق الاحتياطي هو: "محاولة ترويض الظاهرة الدينية"، وذلك عبر وسائل، منها:

تقديم عدة نماذج مِن العالمانية:

أحد وسائل معسكر العالمانيين في محاولة كسر عزلة العالمانية "لا سيما في العالم الإسلامي"، هي: إبراز اختلاف مذاهب العالمانيين، وتقسيم العالمانية إلى متطرفة ومعتدلة، أو إلى شاملة وجزئية، أو إلى مدارس مختلفة منها.

وأشهرها ثلاث مدارس، وهي:

- المدرسة الفرنسية المضادة للدين، وشعارها: "اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس!".

- المدرسة الإنجليزية الأكثر رواجًا في أوروبا: وهي لا تتحدث عن الدين لا بسلب ولا بإيجاب، وهذا يعني أنها لا تستحضره عندما تتحدث عن تشريع عام أو نظام عام.

- المدرسة الأمريكية التي تحترم الدين: فلا بأس أن يكون الدين جزءًا من مكونات شخصية الرؤساء والمسئولين، ولا بأس أن يستشهدوا بنصوص دينية، لكن غير مقبول إطلاقًا أن تتحدث عن الدين كمرجعية عليا.

وبالتالي فأكثر مدارسهم اعتدالاً "هي عندنا مدرسة متطرفة"؛ لأنها لا تقر بالمرجعية العليا للشريعة التي يقتضيها دين الإسلام.

وتجد الواحد مِن هؤلاء حتى ولو كان مؤمنًا بأقصى صور العالمانية تطرفًا يتشدق كلما ناقش الإسلاميين بأن الإسلاميين لا يفهمون العالمانية، أو -على الأقل- لا يفرقون بين أنواعها، وأنهم أصدروا حكمهم على العالمانية الفرنسية وعمموه على كل الأنواع! مع أن المدرسة الأمريكية هي الأكثر رواجًا الآن.

وهؤلاء يجهلون -أو يتجاهلون- أنه حتى تلك العالمانية الأمريكية مناقضة لقوله -تعالى-: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ) (الجاثية:18) ، وقوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) .

الزعم أن الدين عالماني بطبعه!:

وهي أحد أخطر وسائل العالمانيين في ترويض الظاهرة الدينية، وقد لاقت قبولاً كبيرًا في بلاد الغرب، وهي تستند إلى نص في الإنجيل منسوب إلى عيسى -عليه السلام- يقول: "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، وساعدهم على هذا أن الأناجيل خلت مِن التشريعات، وهذا ربما يفسره القول المنسوب إلى عيسى -عليه السلام- في الإنجيل: "ما جئتُ لأنقض الناموس، ولكن لأتممه".

ومع هذا فقد "كان الإنسان الأوروبي ممزقًا" بيْن عاطفته الدينية التي تمثـِّل له زادًا روحيًّا وهوية تاريخية، وبين العالمانية التي أصبحت واقعًا في حياته؛ فكان الحل هو استدعاء الدين بتفسيره المتعايش مع العالمانية، وهذا ما يحاول العالمانيون في بلادنا فعله، إلا أن ثمة فارقًا جوهريًّا وهو أن الغربيين يدركون أن دين الكنيسة الكهنوتي في العصور الوسطى دين آخر غير دينها المتعايش مع العالمانية، بينما يأتي علمانيو بلادنا في المناقشة، ويسردون تاريخ الدين النصراني في أوروبا وكأنه ينطبق تمام الانطباق على ديننا، ثم يختزلون ذلك التاريخ في اللحظة الراهنة، فتراهم يزعمون أن الدين "أي دين، ومنه: دين الإسلام!" كهنوتي بطبعه؛ لكي يَنفروا الناس عن التحاكم إليه ثم يعودون ويقدمون الحل في اعتبار أن الدين "أي دين، ومنه: الدين الإسلامي" عالماني بطبعه، ولا يمثـِّل إلا علاقة خاصة بين العبد وبين ربه.

وفي الواقع: إن الدين الإسلامي "لا يقبل لا الكهنوت"، ولا "العالمانية"، وإنما هو دين التوحيد القائم على أننا متعبدون بالطاعة المطلقة لله وحده أصالة، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- المبلغ عنه، وكل طاعة بعدهما مقيدة بطاعتهما، كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) .

الصفحة التالية