أساليب نشر العالمانية (3) ترويض الظاهرة الدينية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وهذا ينافي "الكهنوت" و"العالمانية" على حد سواء، وهذا الجانب مِن أهم ما ينبغي إدراكه مِن أن "الإسلام هو الإسلام"؛ لا يجوز انتزاع قاعدة مِن دين آخر ثم تطبيقها عليه.
المطالبة بعلمنة الدين:
وهي مطالبات تأخذ شكلاً صريحًا أحيانًا، مثل: تقرير مؤسسة "راند" الذي جعل معيار الاعتدال عنده ليس مجرد سلوك منهج المواءمة بين الإسلام وبين معطيات الحضارة الغربية كما فعلت مدرسة "الأفغاني" و"محمد عبده"، بل يطالِب بفقهٍ جديدٍ يستند على الواقع دون محاولة ربطه بالنصوص، وتأخذ أحيانًا عبارات مجملة تحتمل معانٍ مقبولة وأخرى مردودة كمزيدٍ مِن التلبيس، مثل: "تجديد الخطاب الديني"، وقد تناولته في مقالتين سابقتين: الأولى: بعنوان "ضوابط تجديد الخطاب الديني عند شيخ الأزهر"، والثانية: بعنوان "تجديد الخطاب الديني بين المقبول والمردود"، وفصَّلت بعض أفكار تلك المقالة في مقال بعنوان: "صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان".
وإليك ملخص ما ذكرتُه في مقالة: "تجديد الخطاب الديني بين المقبول والمردود":
تجديد الخطاب الديني يُطلق، ويُراد به أحد ثلاثة معاني، اثنان مقبولان، والثالث مردود:
المعنى الأول: تنقية الدين مِن الأفهام الخاطئة.
المعنى الثاني: مخاطبة الناس على قدر عقولهم وبلغة يفهمونها، والاهتمام بما استجد مِن مشاكلهم.
المعنى الثالث المردود: التلاعب في أحكام الدين ذاته.
ويشمل ذلك صورًا تتفاوت في تطرفها وانحرافها، منها:
- استعمال منهج المواءمة بين الشريعة الإسلامية والحضارة الغربية، بحيث تصبح معطيات الحضارة الغربية هي أحد المرجحات الفقهية في مسائل الخلاف، وهذا المنهج الذي سلكه "الأفغاني" و"محمد عبده"، ثم آل إلى حالةٍ شديدة مِن إخضاع الشريعة لمعطيات الحضارة الغربية عند "الترابي" و"الغنوشي"، ولا يعني هذا أننا لسنا بحاجة إلى صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان أو أننا لا نقر أن للواقع أثرًا في الفتاوى، ولكن المشكلة في اعتبار أن له أثرًا في الأحكام؛ ولهذا الأمر مقام آخر في بيان ضوابط استعمال قاعدة: "تغيُّر الفتوى بتغير الزمان والمكان" ولعلنا أن نخصص لها مقالة قادمة -إن شاء الله-.
- ومِن أشدها خبثًا: ادعاء تاريخية الخطاب الديني، وحصر كل آية في سبب نزولها؛ مما يساوي عمليًّا زعم أن كل نصوص الوحي كتابًا وسنة قد نُسخت يوم نزولها، وصارت تاريخًا لكَ أن تحاكيه إن شئت أو تعرض عنه إن شئت! (وقد رد عليهم "شيخ الأزهر" في كتابه المشار إليه آنفًا، ونقلنا ذلك عنه في المقالة التي أشرنا إليها) .
- وأما أشد هذه الدعوات خبثًا على الإطلاق: فهي "الدعوة إلى نقد النصوص ذاتها"، بل ربما تبجَّح بعضهم ودعا إلى نقد القرآن ذاته -والعياذ بالله!-.
تنبيه: دعوة الرئيس "عبد الفتاح السيسي" مِن أي نوع كانت؟!
قدَّمنا أن "تجديد الخطاب الديني" لفظ مجمل يحتمل معانٍ مقبولة، وأخرى مردودة، وعندما يتكلم أحد بلفظ مجمل كهذا؛ فإذا كنتَ تحمل الخير للجميع "لهذا المتكلم ولمن يسمعونه" فقد وجب عليك أن تحاول أن تسأل المتكلم، وبالطريقة التي تعينه بها على تفسير كلامه على المعنى الموافق للحق؛ لا سيما إن كان متبوعًا مِن عالم أو رئيس أو نحوهما، وهذا ينبغي ألا يكون له أي علاقة بموقفك الشخصي أو السياسي أو غيره منه؛ لأن دور الداعية هو هداية الناس إلى الحق، واتخاذ التدابير الموصلة إلى ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وبخصوص هذه التصريحات فقد سارع البعض إلى تفسيرها بالتفسير غير الموافق للحق "للخلاف السياسي بينهم وبين الرئيس"، ولكن الحمد لله أن غيرهم سلك غير هذا المسلك، وأن كلام المؤسسات الدينية خرج في غاية الانضباط، ثم كانت تصريحات "الرئيس" نفسه في هذا الباب في حواره مع قناة "سكاي نيوز"، والذي قال المصلحون لما سمعوه: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
وهذا نص السؤال والجواب من الحوار:
"س: على هامش تجديد الخطاب الديني حضرتك ذكرت ثورة دينية؛ ماذا كنتَ تقصد بها؟!
ج: هناك فرق بين مَن أساء الفهم وبين مَن يريد أن يحمِّل كلامي ما لا يتحمله، فهناك دول كثيرة تقدمت، ونحن نريد تعديل في الفكر.
س: هل هذا في الأفكار الأساسية؟
ج: لا طبعًا، لا أحد يتكلم في العقيدة، الثوابت لا تعديل فيها، أما بعض الأفكار التي تصل بنا إلى تقتيل بعضنا، هذه الأفكار لا بد أن نواجهها بشجاعة وأمانة.
س: هل هذه مسئولية المؤسسة الدينية فقط؟
ج: هذه مسئوليتنا جميعًا؛ حكامًا ومحكومين، نحتاج جميعًا إلى تغيير هذا الوضع".
تثوير الدعوة الإسلامية:
قدَّمنا في المقال السابع مِن سلسلة "مناهج الإصلاح" عرضًا مختصرًا لغزو فكر التثوير للحركة الإسلامية كان ملخصه: "في العلوم السياسية يقسِّمون التيارات التي تنادي بالتغيير إلى تيارات إصلاحية تؤمن بالتغيير التراكمي المتدرج، وتيارات ثورية تؤمن بالتغيير الجذري الفوري، ونحن بهذا المصطلح ننتمي إلى الفكر الموصوف بالإصلاح أيضًا.
وينبغي هنا أن ندرك أن الثورات هي حالات فوران مؤقتة تسقط نظام الحكم، ومِن ثَمَّ فإنه لا التيارات الإصلاحية، ولا التيارات الثورية تصنع الثورة، وإنما تنشأ الثورة حينما تنسد كل طرق الإصلاح، ويصل المجتمع ككل إلى حالة الغليان، ومِن ثَمَّ فقد تنفجر الثورة كرد فعل لحادث تكررت حوادث مِن جنسه أو ربما أفدح منه.
وإذا كانت الثورة كحدث لا يستطيع أحد تحديد لحظة انفجارها، فيبقى الفرق بين التيارات الإصلاحية والتيارات الثورية في آليات العمل؛ فالتيارات الإصلاحية تسعى لتحقيق القدر الممكن من الإصلاح "ولا تعتبره هو سقف آمالها"، وإنما تنطلق لتحقيق مزيدٍ من الإصلاح، بينما تسعى التيارات الثورية إلى تأزيم المواقف؛ أملاً في الوصول إلى حالة الثورة!
ومِن هذا العرض يتبين أن: القضية ليست في تبني آليات إنكار واضحة كالمظاهرات أو الاعتصامات والإضرابات، ولكن في الهدف مِن وراء هذه الفاعليات وغيرها.