شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أساليب نشر العالمانية (3) ترويض الظاهرة الدينية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وعلى الرغم من وجود تيارات تؤمن بالحل العسكري في أوساط الصحوة الإسلامية؛ ظنـًّا منهم أن هذا نوع مِن الجهاد! فإنه لم يكن يوجد مَن يدعي حالة الثورية حتى قامت "ثورة الخامس والعشرين من يناير"، وعلى الرغم من أن "ثورة الخامس والعشرين من يناير" بدأت بفعل إصلاحي -مظاهرات محدودة تطالب بمطلب محدد وهو عدم التوريث-، والأهم من ذلك أنها كانت نتاج عمل إصلاحي تراكمي - إلا أن انقلابها إلى ثورة ثم نجاحها؛ أغرى بعض الكيانات الإسلامية، وبعض الشباب الإسلامي أن يصف نفسه بالثورية!

مع أنه لا يلزم مِن المشاركة في ثورة متى اندلعت استمرار ذلك؛ لا سيما إذا اندلعت كنتاج لتراكم إصلاحي لا يوجب على مَن شارك فيها أن يبقى ثائرًا أو يرفع شعار: "كل مطالبي وإلا فالثورة مستمرة!"، وقد عانى فريق من الإسلاميين حينما وصل إلى السلطة من استمرار "حالة التثوير" المستمرة.

ناهيك عما تستلزمه الحالة الثورية مِن بعض التأويلات في الأحكام والدماء التي تتشابه إلى حد ما مع تأويلات تيارات المواجهة المسلحة، بل "ربما تتطابق معها" حينما يقف الجيش مع النظام السياسي الحاكم، أو عندما تكون المواجهة معه أصلاً، فلا يكون هناك مجال للكلام عن "ثورة سلمية!"، بل لا بد مِن تحولها إلى مواجهة مسلحة بناءً على ما تم رصده عبْر التاريخ مِن أنه لا تنتصر ثورة سلمية إلا بتأييد الجيش "أو حياده على الأقل".

ومِن رؤية واقع حال هذه التيارات التي تتصاعد وتيرة ثوريتها على مر الوقت؛ فتزداد درجة شراستها، ودرجة تبنيها للعنف، وإهدارها لحرمة الدماء، وشيوع التهم بالعمالة والتكفير والتخوين - ندرك تمامًا خطورة أن تتحول التيارات الإسلامية من موقع "الهداية" إلى موقع "التثوير".

ومِن الملاحظ: أن كثيرًا مِن القوى العالمانية والمؤسسات الدولية، مثل: أكاديمية التغيير، وغيرها، يدركون مدى التغيير الذي يطرأ على الحركات الإسلامية عندما تتبنى المنهج الثوري؛ فتخلع رداءها الإصلاحي وترتدي ثوب الإفساد، والسب والشتم، ونشر فضائح الخصوم "الصحيح منها والباطل"، وزوال أي فرق منهجي أو أخلاقي بينهم وبين باقي الفصائل الثورية الأناركية أو غيرهم؛ ومِن ثَمَّ فهم يدفعون الحركات الإسلامية في هذا الاتجاه دفعًا.

ترويع المؤسسات الدينية الرسمية والأهلية!:

إذا أردتَ أن ترى تطبيقًا عمليًّا لما يسمى بالإرهاب الفكري؛ فما عليك إلا أن تشاهد القنوات العالمانية إذا ما قررت الهجوم على أحد الفصائل الإسلامية، فإنك قد تجلس أمام التلفاز وتدير "الريموت" فتظن أن خللاً ما أصابه، وأن القنوات قد غدت قناة واحدة، وأن البرامج قد غدت برنامجًا واحدًا متعدد المذيعين، وأن الجميع يعزف لحنًا واحدًا، ويستقي مِن معينٍ واحدٍ!

وقد كنا نظن أن هذا خاص بالدعوات الإسلامية الأهلية، حتى أشار "قائد الأوكسترا" -الذي لا نراه، ولكن نرى أعضاء فرقته!-؛ فعزف الجميعُ لحنَ هجاء "الأزهر"؛ شيخًا ووكيلاً، ومؤسسة ومناهجَ! فما زال هجاؤهم تتردد نغماته النشاز، ونحن لا ندري إلى أي غاية يقودوننا؛ حتى صرَّح بعضهم: "نريد مؤسسة بديلة للأزهر تدافع عن الإسلام الوسطي!"، وهذا بدلاً مِن الأزهر الذي جاءتهم نشرة مفاجئة بأن ما كرروه مرارًا أنه يمثـِّل "الإسلام الوسطي" لم يعد صحيحًا!

وبالطبع فإن "مناهج الأزهر" لم تتغير، ولكن معايير الإسلام الوسطي عند بعض الهيئات "المانحة" للقب "وسطي" قد تغيرت.

ومِن هنا رأينا أنه مِن واجبنا أن نقف مع "الأزهر"؛ لأن وجوده يحافظ على كثيرٍ مِن عموم المسلمين، وعلى الكثير مِن المفاهيم الصحيحة في مواجهة "الفكر العالماني الوافد".

وهذا لا يمنع مِن الاختلاف مع بعض شيوخ الأزهر أو حتى مع المؤسسة ذاتها، ولكن بكل أدب واحترام، وحفظ هيبة المؤسسة وشيوخها في نفوس عموم المسلمين؛ لا سيما وأننا كما قلنا مرارًا: "ليس مِن قول نتبناه إلا ولنا فيه مِن علماء الأزهر سلفًا قد قال به، وربما درَّسه في الأزهر ذاته".

خاتمة:

وفي نهاية هذه السلسلة أسأل الله أن أكون قد وُفقتُ لعرض أهم الأساليب التي تُمرَّر بها هذه الفكرة الدخيلة على ديننا؛ لعلنا ننتبه إليها، ونسد هذه الثغرات ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الصفحة السابقة