نظرية صدام الحضارات والمشاريع المنبثقة عنها (1) مقدمات تاريخية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
مقدمات تاريخية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فهذه دراسة مختصرة لنظرية "صدام الحضارات" التي يتبناها الغرب الآن، وبيان لأهم المشاريع التي دشنها الغرب متأثرًا بهذه النظرية، والتي تمثـِّل أهم الأخطار التي تهدد العالم الإسلامي بصفة عامة، والصحوة الإسلامية بصفة خاصة.
ونتناول في هذا المقال المقدمات التاريخية منذ بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى احتلت هذه النظرية موقعها في قيادة الفكر الغربي.
1- معنى الحضارة:
الحضارة، والثقافة، والهوية مصطلحات تُطلق ويختلف العلماء فيما يعد منها أعم مِن الآخر، وغالبًا ما يتم استعمالها جميعًا بمعنى واحد، وإن كان الأشهر في هذا أن يستعمل لفظ "الحضارة" على أنه أعم مِن غيره، ولا يعني به بطبيعة الحال المعنى اللغوي المباشر وهو "العيش في الحضر"، وإنما يعنون به كل جوانب النشاط الإنساني العقلي والخلقي، وما قام به في شأن الدين والدنيا... إلخ.
وغالبًا ما تنسب الحضارة إلى الأمم التي تركت أثرًا كبيرًا في تاريخ البشرية فيُقال: الحضارة اليونانية، الحضارة الرومانية، الحضارة الفارسية، والحضارة الإسلامية.
2- الحضارة الإسلامية:
وبناءً على التعريف السابق يمكن أن نقرر أن الحضارة الإسلامية تشمل مِن الناحية المنهجية جميع شرائع الإسلام، وتشمل مِن الناحية المادية جميع ما أبدعه المجتمع المسلم في علوم الدنيا وتطبيقاتها، ويدخل في هذا الجانب المادي ما أنتجه المسلمون أو ما أنتجه أهل الذمة؛ لأن هذا الإبداع المادي لا يتأتى إلا بجهود المجتمع كله "ومِن باب أولى فلا بأس بأن يَضم في حضارة المسلمين جهودًا علمية لأفرادٍ مسلمين، ولكنهم لم يكونوا على عقيدة أهل السُّنة".
ورغم أن المسلمين قدَّموا للدنيا خدماتٍ جليلة في العلوم المادية، إلا أنه يبقى أن السمة الأكثر بروزًا في الحضارة الإسلامية أن "الإنسان" يحتل بؤرة الاهتمام بينما تأتي وسائل حياة الإنسان في مرتبة تالية بخلاف الحضارات التي توصف بأنها مادية حيث تأخذ وسائل الحياة جانبًا أكبر مِن الاهتمام.
وحضارة الإسلام تنطلق مِن أساس عقلي يُستعمل للدلالة على وجود الله، وعلى وجود الوحي، وعلى أن محمد -صلى الله عليه وسلم- رسول مِن عند الله، مرسل بالقرآن، وبالسنة شارحة له، ومنهما يبني المسلم تصورًا كاملاً عن نفسه مِن أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين المصير؟ وتصور عن الكون مِن حوله بدايته ونهايته، ويتبع تشريعًا يضع الإطار الذي يمكنه مِن حسن توظيف الكون لمصلحته، ويبين له الطريق لإدارة العلاقات الإنسانية بكل صورها سواء ما يتعلق منها بتكوين الأسرة، أو بالمعاملات المدنية أو الجنائية.
ثم إن حضارة الإسلام فيما يتعلق بوسائل الحياة مِن زراعة وصناعة وطب وهندسة حضارة منفتحة تترك الباب لكي تنقل وينقل عنها، ولذلك نجح المسلمون في استخلاص علوم الأمم التي سبقتهم، ثم طوروها وذهبوا بها عدة قفزات للأمام وبذلوها لكل الأمم الأخرى، وعنهم أخذت أوروبا أساس نهضتها المعاصرة.
3- موقف الإسلام مِن الحضارات الأخرى:
ومما سبق يتضح أن الحضارة الإسلامية ليست كلها على درجة واحدة مِن اللزوم، وأن ما يتعلق منها بالمنهج يعتقد المسلمون فيه بطلان ما يخالف دين الإسلام ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) ، ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) .
ويجب على المسلمين أن ينشروا هذا المنهج، وأن يدعوا جميع الأمم إليه، وأن الوسيلة الرئيسية في ذلك هي الحوار ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (النحل:125) .
وأما المخالفون منهم، فنوعان:
- النوع الأول: "رعايا الدولة الإسلامية": وهؤلاء نظمت الشريعة الإسلامية أحكامًا تضمن لهم الإقامة في دار الإسلام متى أرادوا دونما إكراهٍ على الدخول فيه ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) (البقرة:256) .
- النوع الثاني: "الدول التي ترفض -ممثلة في نظام الحكم فيها- الدخول في الإسلام": وهؤلاء شرع الإسلام جهادهم، ولكن اشترط له الحوار أولاً؛ بالإضافة إلى أن الشريعة أجازت المعاهدات والصلح، وأوكلت هذا للقيادة السياسية للدولة المسلمة؛ مما يعني أن الإسلام جاء بمبدأ الجهاد مِن أجل نشر الحق، كما جاء بآليات للتعايش مع دول غير مسلمة متى كانت المصلحة تقتضي هذا، والذي يهم الطرف الآخر هو وضوح الرؤية حول متى يمكن للمسلمين أن يحاربوا، ومِن جهة أخرى للالتزام بالعهد متى عاهدوا، وهذا حاصل في دين الإسلام.
3- الحضارة الغربية الحديثة:
الحضارة الغربية الحديثة هي حضارة امتزجت فيها عدة حضارات، وهي: الحضارة اليونانية القديمة، وهي حضارة اهتمت بالإنسان وبمحاولة الوصول إلى إجابة شافية عنه وعن الكون مِن حوله، وعن معايير الإنسان الصالح والمجتمع الصالح "المدينة الفاضلة"، وهي بهذا تلتقي مع الحضارة الإسلامية، وإن كانت تفارقها في أن نتاجها في ذلك كان نتاجًا بشريًّا فلسفيًّا، بينما حضارة المسلمين قائمة في هذا الجانب بالذات على "الوحي".
الحضارة الرومانية، وهي حضارة مادية تعشق القوة، وتفرط في العصبية وتعتبر "اللذة" هي أسمى الأهداف، وبالتالي فحينما سيطرت على أوروبا بعد الحضارة اليونانية استعملت الفلسفة كأداة لتقرير هذه النظريات.
الحضارة الرومانية "في عصر النصرانية"، وهي مرحلة تم فيها التزاوج على يد "بولس" بيْن تعاليم عيسى -عليه السلام- وبين الحضارة الرومانية، والذي أسفر دينًا جديدًا كما اعترف بذلك "بندكت" البابا السابق للفاتيكان، وإن كان قد قال هذا في سياق الفخر.
الحضارة الرومانية "في عصر العالمانية" وكنتيجة الإدعاء الكنيسة أن ما أدخلته على دين عيسى -عليه السلام- جاء بوحي مِن الروح القدس، فقد أغراها هذا بتكرار هذا الادعاء في العلوم الدنيوية، وهو ما قاد إلى صدام بين الدين والعلم، والذي صاحبه مظاهر أخرى مِن الفساد الكنسي، والذي أدى بدوره إلى انفجار تيار العلمانية أي فصل الدين عن الحياة.
وقد قسَّمها أصحابها إلى ثلاثة أنماط: