نظرية صدام الحضارات والمشاريع المنبثقة عنها (1) مقدمات تاريخية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الأول: ضد الدين (وهي أكثر انتشارًا في الدول الشرقية)، وفي فرنسا مِن الدول الغربية.
الثاني: لا دينية وهي الأكثر انتشارًا في معظم أوروبا.
الثالث: عالمانية تفصل الدين عن الحياة، ولكنها تحترم الدين، وهي الأكثر شيوعًا في الأوساط الأمريكية.
وغني عن الذكر أن كل هذه الأنواع لا تصلح للمسلمين، ولا تلتقي مع الإسلام الذي يأمر أتباعه ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) .
4- سيادة النمط الأمريكي:
بعد اكتشاف "كولومبوس" للقارة الأمريكية نزح الكثير مِن الأوروبيين إلى القارة الجديدة، وأسسوا مستعمراتٍ؛ كلٌ منها تتبع الدولة الأم التي جاءوا منها، وظل الأمر كذلك حتى نشبت حرب بيْن المستعمرات الإنجليزية والمستعمرات الفرنسية انتهت بهيمنة الإنجليز على وسط القارة، ثم تعارضت مصالح زعماء الأرض الجديدة مع سياسات إنجلترا؛ فخاضوا حرب استقلال ساعدتهم فيها فرنسا (ومِن ثَمَّ اقترنت الثورة الفرنسية وحرب الاستقلال الأمريكية، وكانت الحرية أحد أهم شعارات الحدثين، لا سيما وأنهما كانا متزامنين، وتحررت كل الولايات الأمريكية والتي دشنت اتحادًا فيما بينها كان هشًّا في بدايته، وحاولت الولايات الجنوبية تكوين اتحاد خاص بها، فنشبت حرب الشمال والجنوب وأسفرت عن قيام دولة اتحادية ذات نظام رئاسي "خلافًا لما كان سائدًا مِن سيطرة البرلمانات في أوروبا".
ودخلت أمريكا إلى الساحة الدولية برفق، وكانت هي مَن دعت إلى إنشاء عصبة الأمم في أواخر الحرب العالمية الأولى، ثم كانت هي مَن تزعمت تطويرها إلى "الأمم المتحدة" في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وقد أسهمت الحرب العالمية الثانية في أن تكون أمريكا حامية أوروبا الغربية والدولة الإسلامية التي كانت واقعة تحت احتلال أوروبا الغربية قبل الحرب، فبينما أصبحت روسيا هي حامية أوروبا الشرقية، وحاولت التواجد في بعض البلاد الإسلامية ونجحت في ذلك إلى حدٍ كبير.
وتبنى الإتحاد السوفيتي سياسات غاية في التطرف حيث اعتنقت الدولة الإلحاد، ومِن ثَمَّ طبقت أكثر صور العلمانية تطرفًا كما طبقت أقصى درجات "الدولة البوليسية"، واعتنقت أكثر المذاهب الاقتصادية شمولية، مما جعلها تهوي في تسعينيات القرن الماضي، وهو ما فتح شهية أمريكا لكي تنفرد بصدارة العالم.
وساعدها على ذلك عدة أمور، منها:
- أنها تبنتْ أكثر صور العالمانية تصالحًا مع الدين؛ مما جعلها تبدو عالمانية متى أرادت، ودينية إذا رغبت!
- أنها عظمت الحريات الشخصية، وحققت درجة جيدة مِن المساواة وتكافؤ الفرص في حين أنها أبقت على ضوابط لا بأس بها "بالنسبة للغرب طبعًا" لممارسة الحريات.
- أنها تبنت المذهب الاقتصادي الحر مع الاهتمام بالعدالة الاجتماعية واعتباره أحد مهام الدولة؛ مما جعلها تبدو اقتصاديًّا أكثر عدالة مِن كلٍّ مِن: روسيا، وأوروبا.
وهي في ذلك تقترب بعض الشيء مِن الإسلام، ولكن مع وجود فوارق جوهرية، مِن أهمها: أن العدالة الاجتماعية عندهم مرهونة بموارد الدولة، ولا يحمل الأغنياء أي جزء منها حتى ولو عجزت موارد الدولة، وأن الضرائب التي يدفعها الأغنياء هي نظير خدمات تقدمها الدولة لهم، وليس لتمويل مصارف العدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى أنها حافظت على مشروعية (الربا - الميسر) ولم تقترب منهما، وإن كانت قد عرفت تجارب ناضجة في مقاومة الاحتكار، وفي وضع ضوابط أخلاقية للإعلانات عن السلع وغيرها.
وثمة عوامل كثيرة أخرى جعلت المفكرين الأمريكيين يحلمون بأن دولتهم لن تسقط كما سقطت مِن قبلها إنجلترا، وفرنسا، ومِن قبلهما الدولة العثمانية، والنمسا، وأسبانيا، ومِن قبلهم: الفرس، والروم، وهكذا؛ فبدأوا يضعون النظريات التي تؤكد هذا المعنى، وإن لم يفتهم أن يقدموا النصائح اللازمة لكي يتحول هذا الحلم إلى حقيقة، ومِن هنا نشأت نظرية "صدام الحضارات"، والتي تولد عنها مشاريع قدمتها المراكز البحثية لضمان حصول النتائج التي توقعوها (أو بالأحرى تمنوها) مِن هيمنة الحضارة الغربية في طبعتها الأمريكية، ودوام تلك الهيمنة إلى ما لا نهاية!
5- مختصر تاريخ الصدام بيْن الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية:
جاء الإسلام بدعوة عبَّر عنها "ربعي بن عامر" -رضي الله عنه- في حواره مع "رستم" قائد الفرس بقوله: "إن الله ابتعثنا لإخراج العباد مِن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومِن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومِن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، وواجه المسلمون الإمبراطورية الفارسية والتي سقطت في عقر دارها؛ فانتهى أمرها وتشتت شملها؛ عقوبة لملكهم الذي مزَّق كتابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمزق الله ملكه!
ولم يبقَ أمام الفرس إلا تكوين "حركات باطنية"، ومنها: "الشيعة، والصوفية الفلسفية" ولهذا قصة أخرى ليس هذا مجالها، بينما أخذت المواجهة مع الروم طابعًا عسكريًّا محضًا في بعض الأحيان، وضمت إليه الطابع الفكري في أحيان أخرى، وأنه في هذه الأحوال تمت الاستعانة بالحركات الباطنية "ولو كانت ذات أصول شرقية"؛ للطعن في منهج الإسلام الصافي، والذي يمثـِّل أهم دعائم "الحضارة الإسلامية".
ويطول بنا المقام لو أردنا أن نتتبع تاريخ الصراع بيْن المسلمين والروم، ولكن يمكن إيجازه في أن المسلمين الأوائل قد استطاعوا هزيمة الروم في مصر والشام مما يعني إعادتهم إلى حدود وطنهم الأصلي، وهذا بخلاف الفرس الذين سقطوا في عقر دار دولتهم، ومنذ الفتح الإسلامي لمصر، وبدأت مراحل مِن الصراع لخصها الأستاذ "محمود شاكر" -رحمه الله- في رسالة: "الطريق إلى ثقافتنا" في أربع مراحل:
- مرحلة غضب مكتوم ممزوج بخوف مِن الاقتراب مِن تخوم الإسلام.
- مرحلة غضب متفجر مثمثلة في الحروب الصليبية "ولعل مما ساهم في إغرائها بغزو ديار الإسلام ثم في نجاحها في بادئ الأمر سيطرة الحركات الباطنية على سواحل الشام".
- مرحلة غضب مكتوم وخوف أشد بعد انكسار الحملات الصليبية.