نظرية صدام الحضارات والمشاريع المنبثقة عنها (1) مقدمات تاريخية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وغالب الظن أن هذا القدر مِن التقسيم كان أقصى طموحات إنجلترا آنذاك؛ إلا أنها وبعد ضغوط ورشاوى مِن يهود أوروبا أصدرت "وعد بلفور"؛ مما يعني استقطاع فلسطين مِن الدولة العربية التي وعدوا بها "الشريف حسين" والذي انزعج فأرسل مستفسرًا؛ فأجابوه أنه لا يعني إلا حرية إقامة اليهود في فلسطين دون أن يكون لهم الدولة "فرَّقوا له بيْن مصطلح الدولة والوطن، ومرة أخرى يبدو أن هذا كان هو سقف آمالهم إلا أن الكرم الحاتمي للشريف حسين قد أغراهم برفع سقف الآمال".
ويبدو أن صدام المصالح بيْن إنجلترا وروسيا وفرنسا وسعة صدر "الشريف حسين" قد أغرى إنجلترا بأن تعيد النظر في التقسيم المزمع فاتفقوا على أن تتقاسم بريطانيا وفرنسا بلاد الشام، لتتقلص الدولة العربية إلى الأردن، والعراق، والحجاز "والتي انتزعتها الدولة السعودية لاحقًا" كما كان الإنجليز مسيطرين بالفعل على معظم سواحل الخليج.
ونأخذ مِن هذا أن الحرص على تقطيع أوصال البلاد الإسلامية لا يقف عند حدٍّ، وأن الذي يحكمه فقط هي حدود الممكن، وقد وقـَّعت إنجلترا وفرنسا هذا الاتفاق بواسطة روسية بما عُرف باتفاقية (سايكس - بيكو) نسبة إلى الرجلين اللذين عقداها.
9- قيام إسرائيل أولى نماذج الفوضى الخلاقة:
ظهر مصطلح "الفوضى الخلاقة!" على لسان "كونداليزا رايس" حال كونها وزيرة لخارجية أمريكا، ولكن ظهوره مِن الناحية العملية كان أسبق مِن هذا بكثير؛ فقد طُبِّق في إنشاء دولة إسرائيل.
وخلاصة الأمر: أنه تم بنهاية الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية، وقيام عصبة الأمم واختراعها لما عُرف "بالانتداب" ووقوع فلسطين تحت الانتداب الإنجليزي "تمهيدًا لتنفيذ وعد بلفور"، والتي تلخصت سياساتها في النقاط الآتية:
- السماح بهجرة اليهود إلى فلسطين بأعدادٍ كبيرة.
- تمليك الكثير مِن الأراضي لليهود.
- تسهيل عملية وصول السلاح لليهود.
- منع وصول السلاح للعرب.
- غض الطرف عن أي صراع يكون الغلبة فيه لليهود بما في ذلك عمليات التهجير القسري، وحرمة المزارع والماشية، والتدخل السريع في أي نزاع تكون الغلبة فيه للعرب.
وفي النهاية: جاء مسلسل "الفوضى الخلافة" بإعلان إنجلترا وبصورة مفاجئة "للعرب طبعًا!" إنهاء الانتداب البريطاني عن فلسطين، لتتحرك العصابات اليهودية التي كانت قد أعدت عدتها وأعلنت قيام دولة إسرائيل.
ورد عليها العرب بإعلان حرب 1948م، والتي تعرض العرب فيها للخداع عدة مرات مِن قِبَل "الأمم المتحدة" وريث "عصبة الأمم" أو صدرت قرارات بهدنة أو إيقاف إطلاق نار احترمها العرب في حين استثمرتها إسرائيل في تحسين مواقعها العسكرية حتى استقر وجودها.
10- الحرب الباردة:
بانتهاء الحرب العالمية الثانية وجد في العالم قطبان رئيسان: الولايات المتحدة الأمريكية غربًا، والاتحاد السوفيتي شرقًا، وكل منها قد خاض الحرب العالمية الثانية بشيء مِن التحفظ؛ مما ساهم في خروجهما مِن الحرب أقوى دولتين، وهو ما أسهم في أن تدير الدولتان أمورهما بشيء مِن التعقل، وكلما وصلت الأزمات بينهما إلى حافة الهاوية سارعا إلى مفاوضات تبعدهما عن حافة الهاوية "ولو بخطوات"، وما زال الأمر كذلك حتى انهار الاتحاد السوفيتي -كما أسلفنا-ـ ووجد ما عُرف باسم "النظام العالمي الجديد".
وهي ما فتح المجال أمام محاولات الحفاظ على الهيمنة الأمريكية، والتي دشن أساسها الفلسفي مِن خلال نظرية "صدام الحضارات"، وهو ما سنتناوله في المرة القادمة -إن شاء الله-.