شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نظرية صدام الحضارات والمشاريع المنبثقة عنها (1) مقدمات تاريخية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

- مرحلة فتح القسطنيطينية، وهي التي دفعت الغرب إلى تعلم علوم المسلمين، وإلى إرسال المستشرقين؛ لأنهم شعروا أن وجودهم كأمة صار مهددًا، وأيقنوا أن الحملات العسكرية لن تجدي نفعًا، واعترفوا أنهم أمام حضارة فيها أسرار للقوة لا بد مِن دراستها قبْل المواجهة.

ونتج عن المرحلة الرابعة التي ذكرها الأستاذ "محمود شاكر" أن نقل الغرب كل ما يستطيع مِن حضارة المسلمين، وشمل هذا العلوم التجريبية كما شمل الكثير مِن النواحي التشريعية "ما تماشى منها مع ماديتهم"، وصادف هذا اغترارًا بالنصر في الدولة العثمانية بالإضافة إلى عوامل ضعف كثيرة جدًّا، أدت إلى انهيار الدولة العثمانية وتوزيع تركتها على الدول الأوروبية.

6- انهيار الدولة العثمانية ولعبة التقسيم:

مرَّت الدولة العثمانية بمراحل قوة ثم ضعف ثم انهيار، وكانت مرحلة القوة هي المراحل التي واجهت تحديات النشأة، وحماية بلاد الإسلام مِن خطر الصليبين، وقطع آمالهم في العودة مرة أخرى، وفي تأديب الصفويين، وفي إيقاف التفاف البرتغاليين بحريًّا حول العالم الإسلامي ثم توج ذلك بفتح القسطنطينية، ومعها بدأت مراحل الضعف.

والتي كان مِن أهم أسبابها:

- زوال الدوافع التي كانت قاطرة مرحلة القوة.

- ضعف العلم الشرعي في الدولة العثمانية وانتشار الطرق الصوفية.

- إقدام الخلفاء على قتل إخوتهم لمنع النزاع على الخلافة، وهو ظلم رأت الأمة عاقبته في إدالة أعدائها عليها.

- جمود حركة العلوم التجريبية.

- مناوئة الفرسان لتحديث الجيوش العثمانية بالأسلحة النارية "البارود، الديناميت"، والتي كانت الفجوة فيها بيْن أوروبا والدولة العثمانية آخذة في الاتساع.

وثمة عامل أخرى غاية الأهمية، وهو تأثر الدولة العثمانية بالتيارات الفكرية الواردة مِن الغرب، وأهمها: الإعجاب بالنظام "الدستوري"، والتأثر بنمط "الدولة القومية".

7- الاتحاد والترقي مِن مطالب "الدستور" إلى إلغاء الخلافة:

مع بداية دخول الصحافة إلى الدول العثمانية؛ بدأت الصحف تنقل ما يدور مِن حركات إصلاح سياسي في أوروبا منذ الثورة الفرنسية، ومنها الدعوة إلى الدولة القومية كبديل للتوسع الإمبراطوري الذي كان سببًا في عدة حروب داخلية في أوروبا، ولكن هذه الدعوى لم تلقَ القبول الكافي في بداية الأمر؛ لأن الإمبراطورية العثمانية لم تكن تعاني مما تعاني منه الإمبراطوريات الأوروبية التي لا يمكن لواحدةٍ منها أن تتوسع إلا على حساب الأخرى، بينما كانت كل بلاد المسلمين تشعر بوحدة حقيقية.

بينما لقيت الدعوة إلى إقامة حكم دستوري قبولاً عامًّا لدى عامة المصلحين مِن أتراك وعرب، ومِن هنا نشأت جمعية الإتحاد والترقي ونادت بالحكم الدستوري، ولكنها ضمت بيْن عناصرها دعاة للقومية التركية إلا أنهم تستروا بهذا الفكر في بادئ الأمر، وقد اتضح فيما بعد أن عددًا غير قليل منهم على علاقة بالمخابرات الإنجليزية.

وقد استطاع هؤلاء أن يحققوا أحلامهم وصدر الدستور العثماني سنة 1908م، وهي الخطوة التي اعتبرها معظم الإصلاحيين في العالم الإسلامي ذلك إنجازًا عظيمًا، ولكنَّ الاتحاديين الذين وصلوا إلى البرلمان والوزارة وفق الدستور الجديد قاموا بأمرين كان لهما أكبر الأثر في انهيار الدولة العثمانية:

الأول: إظهار الدعوة إلى القومية التركية واحتقار العرب حتى المشاركين لهم في برلمان الخلافة، ومنهم "الشريف حسين" الذين عُيَّن فيما بعد أميرًا لمكة؛ فقام بالدعوة إلى القومية العربية، وحارب الدولة العثمانية جنبًا إلى جنب مع الإنجليز كرد فعل لدعاة القومية التركية.

الثاني: أجبر الاتحاديون السلطان على دخول الحرب العالمية الأولى بجوار ألمانيا رغم أنه كان يسعه الوقوف على الحياد، وهو الموقف الذي أخذته الدولة العثمانية مِن الحروب الأوروبية التي سبقت الحرب العالمية الأولى، بل إن أمريكا رغم أنها جزء مِن العالم الغربي إلا أنها اختارت الحياد في الحرب العالمية الأولى، واختارته كذلك في الحرب العالمية الثانية إلى أن اضطرتها اليابان على خوض الحرب.

وبعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا والدولة العثمانية؛ استثمر الاتحاديون مفاوضات الصلح مع الحلفاء لإعلان سقوط الخلافة، والاتفاق على ترسيم حدود تركيا تاركين باقي الدولة "ولايات الدولة العثمانية".

ومِن جهة أخرى: فقد كانت إنجلترا وحلفاؤها قد وعدوا "الشريف حسين" بإقامة دولة عربية، كما كانوا قد اتفقوا على إلحاق الدول العربية في الشمال الإفريقي بالدول الأوروبية.

وفي سبيل ذلك اخترعتْ "عصبة الأمم" نظام الانتداب كمرحلة تأهيلية لاستقلال هذه الدول؛ ففرضت على كل دولة وصاية مِن إحدى الدول، ولما كانت معظم ولايات الدولة العثمانية واقعة تحت احتلال فعلي؛ فقد تم تغيير مسماه إلى انتداب كما في حالة مصر مع إنجلترا.

8- الثورة العربية ضد الدولة العثمانية:

سوف يظل التاريخ يذكر هذه الثورة كنموذج للغفلة المفرطة والثقة البلهاء في الأعداء مدفوعة بالكراهية المتبادلة بيْن بعض أبناء الأمة، وقد ذكرنا أن "الشريف حسين" كان في غاية الاستياء فترة وجوده في الأستانة مِن ازدراء الكمالية للعرب، ولما عُيِّن شريفًا لمكة "ويُقال إن هذا التعيين جاء بضغوط مِن الكماليين على الخليفة مما يفتح بابًا لتطبيق نظرية المؤامرة"؛ أظهر عداءً للخليفة العثماني، والتقطته المخابرات الإنجليزية "أو قل إنها هي مَن أعدت السيناريو مسبقًا" فأرسلتْ أحد رجالها ليتقرب منه ومِن ابنه "فيصل"، وهو رجل عُرف فيما بعد بلقب "لورانس العرب"؛ لأنه تعلم العربية وتزيا بزي الأعراب فلم يكن يَعرف حقيقة أمره إلا القليلون، وقد أقنع لورانس العرب الشريف حسين بأن إنجلترا عازمة حال خروجها مِن الحرب العالمية منتصرة أن تنصبه خليفة على الجزيرة العربية والعراق والشام؛ لأنه مستحق للخلافة لكونه هاشميًّا، وأن بريطانيا تريد مساعدته على استعادة حق سلبه العثمانيون الظلمة مِن البيت النبوي الشريف.

وهذا يعني تقسيم الدولة العثمانية إلى:

- دولة تركية.

- دولة عربية تشمل الجزء الأسيوي من العالم العربي.

- توزيع الجزء الأفريقي مِن العالم العربي على الدول الأوربية لكي يلتحم بها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية