شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نظرية "صدام الحضارات" والمشاريع المنبثقة عنها (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قدَّمنا في المرة السابقة تمهيدًا تاريخيًّا عن الصراع الحضاري، ونتعرض في هذه المرة بصورة مختصرة لنظرية "صدام الحضارات" التي يتبناها الغرب الآن، وبيان لأهم المشاريع التي دشنها الغرب متأثرًا بهذه النظرية، والتي تمثِّل أهمَّ الأخطار التي تهدد العالم الإسلامي بصفة عامة "والصحوة الإسلامية بصفة خاصة".

1- نظرية "صدام الحضارات":

كان معظم فلاسفة التاريخ يدرسون الحضارات التي ازدهرت ثم ضعفت -أو تلاشت- معتبرين أن هناك دورة حياة لكل حضارة تشبه حياة الإنسان؛ طفولة ثم شبابًا، ثم شيخوخة، ثم موتًا، ولكن الفيلسوف الألماني "كانط" قد أصَّل لنظرية، هي أن الحضارة الإنسانية هي سلسلة واحدة، وأن كل حضارة تنتهي تسلِّم الراية لحضارة أفضل في تاريخ الإنسانية، ثم جاء "هيجل" واعتبر أن الحريات هي المعيار الذي يُقاس به التقدم، ورأى "هيجل" أن أوروبا في عصر النهضة تمثِّل قمة الرقي الإنساني عبر التاريخ من جهة أن المذهب البروتستانتي يمثل قمة التطور الديني، وأما سائر الأمور... فالتفوق فيها واضح، وأصَّل "هيجل" لقاعدة، هي أن: "الحضارة تتجه من الجنوب لتستقر في الشمال"، ومن الواضح أن "هيجل" وصف وضع أوروبا الديني والسياسي، بل والجغرافي، واعتبره هو غاية الكمال الإنساني!

ثم جاء "فوكوياما" المفكر الأمريكي الياباني الأصل، وفي نشوة انتصار أمريكا في حرب الخليج 1992م ليقدِّم أطروحته عن "نهاية التاريخ"، ويعني بها توقف حركة التطور في الحضارة الإنسانية عند محطة الحضارة الغربية الأمريكية تحديدًا؛ لكونها قد بلغت الكمال!

وقد رد عليه "هنتنجتون" في أطروحته: "صدام الحضارات"، وهو يلتقي معه في أن الحضارة الغربية "والطبيعة الأمريكية منها تحديدًا" هي غاية التطور في الحضارة الإنسانية، ولكنه يخالفه في مدى "سلمية" و"سلامة" الحفاظ على تفوقها، وقرر ضرورة أن تدافع تلك "الحضارة الكاملة" عن نفسها تجاه الحضارات الأخرى التي رفض أصحابها عنادًا منهم -من وجهة نظره- الذوبان في هذه الحضارة، وخص بالذكر الاتحاد السوفيتي "الذي قد انهار بالفعل"، والعالم الإسلامي الذي كان -وما يزال- يشهد صحوة إسلامية مباركة.

ومهما يقال مِن خلافات فلسفية حول هذه النظرية؛ فإن القدر المشترك بين كل هذه الأطروحات هو وجوب ذوبان جميع الحضارات في الحضارة الغربية، غير أن "فوكوياما" يرى حتمية وقدرية هذا الذوبان، بينما يؤكد "هنتنجتون" على أن الحضارة الغربية هي المكلفة باتخاذ تدابير الإذابة، ومِن الطبيعي أن تستخدم النظرية الأولى لتصدير الهزيمة النفسية للآخرين, بينما يعنى الساسة عمليًّا بالنظرية الثانية، ويقومون بما يستطيعون من تدابير تضمن ذوبان المسلمين في حضاراتهم الغربية، وقد تمخض هذا عن عدة مشروعات جاري تطبيقها على أرض الواقع.

ومِن أبرزها:

1- تقرير مؤسسة "راند"، وما أسفر عنه من توصيات، أبرزها: "دعم الإسلام الليبرالي!".

2- مشروع الشرق الأوسط الكبير.

3- مشروع "الفوضى الخلاقة".

2- تقرير مؤسسة "راند" 2005م:

مؤسسة "راند" هي أحد أهم المراكز البحثية التي تمد صانعي القرار الأمريكي بالرؤى الإستراتيجية، وهي تعتني بشئون الشرق الأوسط عمومًا "والجماعات الإسلامية خصوصًا" (ومِن الجدير بالذكر: أن مؤسسة راند لها فرع نشط في قطر!).

وتقرير مؤسسة "راند" ذائع السيط، هو التقرير الذي صدر عام 2007م؛ إلا أن الفكرة الأصلية لهذا التقرير جاءت في تقرير 2005م بعنوان: "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء - الموارد - الإستراتيجيات".

وقد قسَّم هذا التقرير المسلمين إلى أربع فئات:

1- الأصوليون: "وهم مَن يتمسكون بالتفسير النصي، ويعتقدون سمو الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية، ويقومون بالمواجهة المسلحة مع الغرب"، ومِن الواضح أن التقرير تعمد استعمال ألفاظ: "السلفيون - الوهابيون - تنظيم القاعدة" على أن مدلولاتها مترادفة أو متقاربة، وأنه يريد استثمار حالة الحنق الغربي على "تنظيم القاعدة"؛ لكي يوجِّه الساسة إلى نفس درجة العداء لكل مَن انتمى إلى المدرسة النصية "السلفية" وإن لم يحمل سلاحًا!

كما يتضح الإلحاح على وصف السلفية بالوهابية رغم أن الأدق أن تقول: إن الوهابية هي حركة تجديد سلفية؛ "لأن السلفية أرحب مِن حيث الفكر والتاريخ والجغرافيا"، لكن يصر تقرير "راند" على حصار السلفية داخل قالب يسهل الزعم بأنه كان وليد تجربة تاريخية ولَّى زمانها!

2- القسم الثاني: "المسلمون التقليديون" مثل: الطرق الصوفية، ويوصي بضرورة دعمها، ولكن ليس دعمًا مطلقًا، وإنما بمقدار ما يستطيعون إيقاف تقدم الفكر الأصولي، وبلغ الأمر بالتقرير أنه أوصى بدعم المذهب الحنفي على حساب المذهب الحنبلي على اعتبار أن التقرير يفترض أن جميع الأصوليين حنابلة!

3- المسلمون الحداثيون.

4- المسلمون العالمانيون.

والفرق بيْن النوعين الأخيرين يمكن استخلاصه من كلام صاحب كتاب "الأصولية في العالم العربي"، والذي تحدث فيه عما أسماه: "العالمانية الانتقائية"، والتي وُصفت بها أنظمة عدة دول، مِن أبرزها: "مصر", فالحداثيون وفق هذا التقسيم عالمانيون يرفضون بعض مظاهر العالمانية التي تضعهم في حرج شديد مع مجتمعاتهم من الناحية الأخلاقية أو الدينية.

وبصفة عامة يوصي تقرير "راند" 2005م بالدعم المطلق للعالمانيين، والدعم المحسوب لكل مِن الحداثيين والتقليديين بهذا الترتيب، وبالتصدي الشامل للأصوليين! ومِن المفيد أن ننبِّه أن السعي إلى فك الارتباط الذهني بين "السلفية كفكر" وبيْن "فكر القاعدة" وما يعرف بـ"السلفية الجهادية" قد يكون مفيدًا في تخفيف حدة المواجهة مع الأخذ في الاعتبار أن القوم لا يرضيهم إلا الأخذ بالعالمانية التامة، بل ربما لا يشفع ذلك حتى تكون عالمانية على خلفية نصرانية، وحالهم مع "تركيا" خير شاهد على ذلك.

3- تقرير مؤسسة "راند" 2007م:

أصدرت مؤسسة "راند" تقريرًا آخر عام 2007م تحت عنوان: "بناء شبكات مسلمة معتدلة".

ويمكن تلخيص أهم ما جاء فيه بالآتي:

1- ضرورة اتباع سياسة احتواء التيار الأصولي عن طريق دعم التيار المعتدل.

الصفحة التالية