شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (7) (اجتماع الأمر ولم الشمل)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

(اجتماع الأمر ولم الشمل)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير مختصر بما سبق: ( يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف:87) .

- الإشارة إلى أن أحداث القصة اليوم تتناول الأحداث الختامية للقصة، حيث اجتماع الأمر ولم الشمل.

- الإشارة إلى أن الأحداث تدور حول أربعة مشاهد، وهي: مشهد لقاء الإخوة والتعرف لهم، ومشهد نسائم الفرج بعد الشدة، ومشهد لقاء الأحبة، ومشهد تمني لقاء الله ونيل الجنة، ثم خاتمة: إعجاز القرآن ودلائل النبوة.

المشهد الأول: لقاء الإخوة والتعرف لهم:

قال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ . قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ . قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ . قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (يوسف:88-93) .

- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن رجوع إخوة يوسف -عليه السلام- إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه مِن الميرة والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم، قالوا: مسنا وأهلنا الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، وجئنا ببضاعة رديئة لا تُقبل منا إلا أن يُتجاوز عنا، فأعطنا الميرة وتصدق علينا برد أخينا إلينا، فلما رأى ما هم فيه مِن الحال وما جاءوا به مما لم يبقَ عندهم سواه مِن ضعيف المال، وتذكر أباه وما هو فيه مِن الحزن لفقد ولديه؛ أخذته رأفة ورحمة وشفقة.

فعند ذلك تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلاً لهم عن أمر ربه وربهم، وقد أظهر لهم علامة يعرفونه منها: ( هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ )، قالوا وتعجبوا كل العجب ( أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ )؟! ( قَالَ أَنَا يُوسُفُ ) يعني: الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف مِن أمركم فيه ما فرطتم. ( وَهَذَا أَخِي ) تنبيه على ما كانوا أضمروا لهما مِن الحسد، وأعملوا في أمرهما مِن الاحتيال، ولقد مَنَّ الله علينا بإحسانه إلينا؛ وذلك بما أسلفنا مِن طاعته، وصبرنا على ما كان منكم، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا، وأن مَن يتق ويصبر فإن الله لا يضيع اجر المحسنين. ( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا. ( وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ) أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بيْن يديك، فقال: لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم دعا لهم بالمغفرة، ثم أمرهم أن يذهبوا بقميصه فيضعوه على عين أبيه، فإنه يرجع إليه بصره وهو مِن دلائل نبوته -عليه السلام-، ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر إلى الخير والسعة، وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور.

- ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا ): مناسبة جميلة مِن يوسف -عليه السلام-، فإن قميصه هو الذي جاء به الخبر الحزين فأراد أن يكون منه خبر الفرج والسرور، وكان القميص علامة الفراق فأراد أن يجعله علامة على الاجتماع واللقاء، فالنفس تستبشر برؤية ما يذكرها بما تحب، ومثاله "صورة الكعبة".

المشهد الثاني: نسائم الفرج بعد الشدة:

قال الله -تعالى-: ( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ . قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ . قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (يوسف:94-98) .

ملخص الآيات: يخبر -تعالى- أنه لما خرجت القافلة مِن مصر وجد يعقوب -عليه السلام- رائحة قميص يوسف -عليه السلام- مِن مسيرة نحو ثمانية أيام، فأخبر أولاده الذين عنده بذلك، وليس هذا عن كبر سن أو سفاهة، وإنما هو مِن أمر الله، فقالوا له كلمة غليظة، فلما جاء حامل القميص وألقى القميص على وجه يعقوب -عليه السلام- رجع بصره مِن فوره، فقال لبنيه عند ذلك ألم أقل لكم إن الله سيجمع شملي بيوسف -عليه السلام- وستقر عيني به، فعند ذلك طلبوا منه أن يستغفر لهم الله -عز وجل-، عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومِن يوسف -عليه السلام-، ولما كان مِن نيتهم التوبة الصادقة وفقهم الله للاستغفار، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا.

- ( قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أرجاهم إلى وقت السحر، قال الله -تعالى-: ( وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الذاريات:18) .

وقد أخرج البخاري في صحيحه ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية