وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (7) (اجتماع الأمر ولم الشمل)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ): دليل على مشروعية طلب الدعاء مِن أهل الفضل والدين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه عن أويس القرني أفضل التابعين: ( فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ) (رواه مسلم) ، وطلب عمر مِن العباس -رضي الله عنهما- أن يدعو عند الاستسقاء بمحضر الصحابة "خلافًا لمن حصره في الأنبياء أو اشترط نفع الداعي".
المشهد الثالث: لقاء الأحبة:
قال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (يوسف:99-100) .
ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن ورود يعقوب -عليه السلام- على يوسف -عليه السلام- وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف -عليه السلام- قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن أخرهم، وترحلوا مِن بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر -وكان ذلك أول دخول بني إسرائيل بلاد مصر- فلما أخبر يوسف -عليه السلام- باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف -عليه السلام- لتلقى نبي الله يعقوب -عليه السلام-، ويقال: إن الملك خرج أيضًا لتلقيه، فلما التقى بأبويه أجلسهما معه على سرير الملك، فقاموا بالسجود له والإخوة الأحد عشر تعظيمًا وتكريمًا، وكان هذا مشروعًا لهم، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع حتى حرِّم في ملتنا.
وقال يوسف -عليه السلام- عند ذلك: هذا يا أبي تعبير ما كنتُ قصصته عليك مِن رؤيتي، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك، فقد جعلها ربي حقـًّا، وقد أحسن بي إذ أخرجني مِن السجن وبعد الضيق والشدة جعلني حاكمًا، نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت، وجاء بكم ربي مِن البادية، وذلك بعد ما كان مِن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. ثم قال: ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ) أي: إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها مِن وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته، فالله هو العليم بجميع الأمور الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.
- هذه هي النهاية السعيدة حقـًّا، لكل مَن اتقى الله وصبر على البلايا والمحن وهو على طاعته: ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:90) .
- تعلق يوسف -عليه السلام- الدائم بربه وتعبده له بأسمائه وصفاته: ( قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا )، ( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ )، ( وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ )، ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ).
- ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ): عظيم خلقه حيث لم يوبخهم، بل جعل ظاهر الكلام الاشتراك في الحال مع أنهم هم الذين أساءوا على الدوام.
المشهد الرابع: حسن الختام:
قال الله -تعالى-: ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) (يوسف:101) .
ملخص الآية: لما رأى يوسف -عليه السلام- نعمة الله عليه في الدنيا قد تمت، وشمله قد اجتمع؛ عرف أن هذه الدار لا يقر بها مِن قرار، وأن كل شيء فيها ومَن عليها فان، وما بعد التمام إلا النقصان؛ فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، وأعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأله أن يتوفاه "أي حين يتوفاه" على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين.
- ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي ): اعتراف بشهود نعمة الله، وهكذا المؤمن ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (الضحى:11) .
- ( تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (يوسف:101) . هكذا المؤمن إذا تمت له نعم الدنيا، اشتاق إلى ما عند ربه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى ) (متفق عليه) ، وقال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) (النساء:69) .
- ( تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ): نعمة عظيمة الموت على الإسلام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
- كل لقاء بالأحبة في الدنيا فلا بد مِن فراقه، وأما في الآخرة فلا فراق: ففي الحديث: ( يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ, وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ ) (رواه الطبراني والحاكم، وحسنه الألباني) .
الخاتمة: الغرض مِن القصة:
قال الله -تعالى-: ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ . وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) (يوسف:102-105) .