الفصل الثالث من كتاب "الاحتلال المدني"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وهنا يجب أن نضع للسيد "رالف" نفس الأسئلة التي وضعها الكاتب المصري "أحمد المسلماني" -المستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية بعد ثورة 30-6-2013م- في برنامجه الشهير "الطبعة الأولى" على إحدى القنوات الفضائية لمجلة "تايم الأمريكية"، والتي نشرت مقالاً بتاريخ 16-3-2010م تضع تصورًا للشرق الأوسط الجديد بعد تقسيم الدول العربية إلى مجموعة دُويلات بصورة متطابقة لتصور الجنرال "رالف" نفسه، والذي بات منهج الفكر لتحقيق العدل للأقليات العِرقية والدينية الموجودة على الحدود الجوار أو المتشددة عِرقيًّا بين مجموعة دول متجاورة.
حيث تساءل "المسلماني": ماذا عن الصراع القائم بين الشمال والجنوب الإيطالي؟ وماذا عن أسبانيا وإقليم الباسك ومطلبه في الاستقلال؟ وعن بريطانيا ومطلب الأيرلنديين والاسكتلنديين في الانفصال؟!
بالطبع لن تجد إجابات مُقنِعة لدى الجنرال "رالف"، وتصنيفه العنصري لشعوب المنطقة على أسس عِرقية، والذي يختتم مقالته بوضع خريطة للشرق الأوسط الحالية والمُقترحة حيث كتب قائلاً: "ويمكننا الآن أن نقارِن الخريطتين المُرفقتين: الحدود الحالية والحدود المُقترحة لتشعر شيئًا ما بالأخطاء الكبيرة التي تحفل بها الحدود الحالية، والتي رسمها الفرنسيون والإنجليز في القرن العشرين لمنطقة كانت تكافح للنهوض من واقع الذل والهزيمة في القرن التاسع عشر.
إن تصحيح الحدود بشكل تُعكَس فيه قدرة الشعوب؛ هو أمر قد يكون مستحيلاً اليوم، ولكن بعد أمدٍ ما وما يرافقه من دماء -لن يمكن الحيلولة دون سفكها-؛ ستنبثق حدود جديدة طبيعية! وإلى أن يحين ذلك سيستمر جيشنا في قتال الإرهاب من أجل أمننا، ومن أجل السعي نحو الديمقراطية، وإيجاد ممر إلى النفط في منطقة كان قدرها أن تتقاتل فيما بينها".
وأخيرًا يبعث رالف برسالة تحذيرية لدوائر صنع القرار الأمريكية مفادها: "أنه إذا لم يكن ممكنًا تعديل حدود الشرق الأوسط الكبير بحيث تعكس الروابط الطبيعية المستندة إلى الدم والعقيدة، فيجب أن نتقبل حقيقة تنص على أن جزءًا من الدم المسفوح في هذه المنطقة سيكون على حسابنا نحن الأمريكيين".
إلى هنا ينتهي بحث الجنرال "رالف"، والذي استخدم فيه نفس أفكار ومصطلحات وتعبيرات "برنارد لويس"، والذي لا يمكن أن نعتبره وثيقة رسمية تكشف السياسات الصهيوأمريكية المستقبلية في المنطقة العربية إذا ما نظرنا لـ"رالف" على كونه كاتبًا أو محللاً سياسيًّا؛ أما وإن كان هو نفسه الضابط المتقاعد برتبة "العقيد" الذي كان يعمل داخل الاستخبارات العسكرية الأمريكية - فمن هنا يمكن اعتبار المقالة -"حدود الدم"- وثيقة تبيِّن ما الذي يدور في خلد دعاة الشرق الأوسط الجديد.
وإذا أردنا وضع قائمة من البلدان التي تشهد حركات احتجاجات وإضرابات جماعية في المنطقة منذ الأحداث التونسية والمصرية، مرورًا باليمن وليبيا، وانتهاءً بسوريا، ونظرنا لها على الخريطة؛ فسنجد تشابهًا في الظروف يقرُب من الكمال بين البُلدان التي تشهد احتجاجات اليوم، وبين الخريطة الجديدة لمشروع الشرق الأوسط الكبير "الذي تدعمه واشنطن"، والذي تم الكشف عنه لأول مرة خلال رئاسة "جورج دبليو بوش" عام 2001م.