شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفصل الثالث من كتاب "الاحتلال المدني"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ولم ينتقل رالف إلى القضايا التي تجاهلتها الدراسات -كما يدعي- حيث يقول: "إن الجور الأكبر في الرقعة المظلومة الشهيرة الممتدة من جبال البلقان إلى جبال الهيمالايا يتمثل في غياب وجود دولة كُردية مستقلة، حيث هناك نحو 27: 36 مليون كُردي يعيشون في مناطق متجاورة في الشرق الأوسط، وبما أن عدد الكُرد يتجاوز عدد الشعب العراقي؛ فإنه حتى مع التقدير الأقل لعدد الكُرد، يجعلهم أكبر "عِرقية" لا تتمتع بدولتها الخاصة على مستوى العالم، وأسوأ من ذلك: أن الكُرد تعرضوا لاضطهاد من كل حكومة سيطرت على هضابهم وجبالهم منذ أيام الاحتلال الفارسي للمنطقة".

وهنا تظهر الرغبة المُلِّحة للباحث، وتصميمه على إعادة صياغة الحدود في انتقاده الشديد للموقف الأمريكي من حربه على العراق حين قال: "لقد أهدرت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها فرصة ثمينة للبدء في تصحيح هذا الجور بعد سقوط بغداد، فالمسخ الذي سيتكون من خياطة أجزاء غير متطابقة سيؤدي بالعراق إلى الانقسام فورًا إلى ثلاث دول، لقد فشلنا في ذلك بسبب الجُبن ونقص في الرؤية، فأجبرنا الكُرد على تأييد الحكومة العراقية الجديدة، وقد استجابوا لرغبتنا بحزن عِرفانًا بالجميل".

وبالطبع وحتى تاريخ كتابة الجنرال "رالف" لهذه السطور عام 2006م، لم يكن يتوقع أن رياح التغيير، وشعار الديمقراطية العراقية -على النموذج الأمريكي- قد أتت بثمار التقسيم الديني والعِرقي بالعراق، بعد أن أغرقوه بالفتنة بين السُنَّة والشيعة والأكراد؛ لتبدأ عمليات التهجير بين الشمال والجنوب والوسط.

وبدأ "رالف" في لعبة القص واللصق لخريطة الشرق الأوسط الجديد في مقاله "حدود الدم" حيث يبدأ في رسم الحدود الجغرافية لدول الجوار بطريقة تشبع رغباته الدفينة التي أفصح عنها في البداية لمحاولة القضاء على الجور من أجل الإنسانية وحقوق الإنسان -على حد وصفه- حيث يكتب الجنرال المتقاعد نصًّا: "إن تعديلاً منصفًا في حدود المنطقة سيترك المحافظات العراقية السنية الثلاث في دولة مقتطعه قد تتحد مع مرور الوقت بسوريا التي ستفقد شريطها الساحلي لصالح لبنان الكبير، أما الجنوب الشيعي في العراق القديم، فسيشكل أساس الدولة الشيعية العربية التي ستحف بالخليج العربي، وستحتفظ الأردن بمناطقها الحالية مع بعض التوسع باتجاه الجنوب على حساب المملكة العربية السعودية، ومن جانبها ستعاني السعودية وهي دولة مصطنعة من تجريدها من مناطقها بنفس القدر الذي ستعانيه باكستان".

إن أحد أسباب الخيبة الإسلامية من وجهة نظر "رالف" تكمن في تعامل العائلة السعودية المالكة مع مكة والمدينة بوصفهما ملكًا خاصًّا لهم، ويرى في وجود مقدسات المسلمين تحت سيطرة دولة قمعية يحكمها نظام يعتبر أشد أنظمة العالم تطرفًا واضطهادًا كان أسوأ شيء حدث للعالم الإسلامي منذ وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأسوأ شيء حدث للعرب منذ الغزو العثماني -إن لم يكن الغزو المغولي!-.

وبكل صفاقة يضع "رالف" روشتة علاج للعالم الإسلامي الذي وصف أماكنه المقدسة كما لو كانت واقعة تحت يد الاحتلال الغاشم والمستبد؛ حيث دعا المسلمين لكي يتخيلوا معه كم سيكون ملائمًا حينما تُدار شئون مكة والمدينة من خلال مجلس تداولي يتكون من ممثلين عن أكبر المدارس والحركات الإسلامية العالمية ضمن دولة مقدسة إسلامية كنموذج إسلامي ضخم على غِرار الفاتيكان، حيث سيكون مستقبل دين عظيم محل نقاش، وليس مجرد إلزام.

والمُلاحظ هنا أن "رالف" وقد استطاع أن يجد حلاً عبثيًّا للمقدسات الدينية في المملكة، فقد وقف عاجزًا في إيجاد حل عبقري فيما يخص قضية القدس التي وصفها بالقضية ذات التاريخ المخضب بالدماء، ليترك طرق الحل في يد الأجيال القادمة، ودعا قارئه أن يصرف النظر عن هذه القضية التي أُشبِعت دراسة.

ثم يبدأ "رالف" في توزيع ثروات وخيرات الشعوب العربية بطريقة عادلة طبقًا لقناعاته لمفاهيم العدل حيث يمنح حقول النفط الساحلية في السعودية إلى الشيعة العرب؛ لمجرد أن هذه الحقول تقع في منطقتهم! بينما سيذهب الربع الجنوبي لليمن، وسيقتصر حكم آل سعود على البقية المتمثلة في المنطقة السعودية المحيطة بالرياض، وبحسب "رالف" فسيكونون قادرين على إلحاق أذى أقل بالإسلام والعالم.

أما إيران: وهي دولة ذات حدود عشوائية، فستخسر جزءًا كبيرًا من أراضيها لصالح أذربيجان الموحدة وكردستان الحرة والدولة الشيعية العربية وبلوشستان الحرة، لكنها ستكسب المحافظات المحيطة بـ"هرات" في أفغانستان الحالية، وهي منطقة ترتبط بصلة وثيقة مع بلاد فارس تاريخيًّا ولغويًّا.

وفي الواقع ستصبح إيران دولة للعراق الفارسي مرة أخرى، مع بقاء السؤال الصعب المتمثل فيما إذا كانت ستحتفظ بميناء بندر عباس أو تتنازل عنه للدولة الشيعية العربية؟!

إن ما ستخسره أفغانستان لصالح الدولة الفارسية غربًا، ستكسبه من جهة الشرق حيث سيعود اتحاد القبائل القاطنة شمال غرب باكستان مع إخوانهم في أفغانستان.

والنقطة الجوهرية في هذا العمل تتمثل في رسم الخرائط لا بالطريقة التي نفضلها، بل بالطريقة التي يفضلها السكان المحليون المعنيون بالأمر، أما باكستان وهي دولة مصطنعة أخرى فستفقد منطقة البلوش لصالح بلوشستان الحرة، وباكستان الطبيعية التي ستبقى في نهاية الأمر فستوضع بكاملها شرق نهر السِند، ما عدا نتوء متجه للغرب بالقرب من كراتشي.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة: فسيكون لها مصير مختلط كما هي حالها الآن، فبعض الإمارات قد تنضم للدولة الشيعية العربية مما يعطيها المزيد من السيطرة على الخليج العربي، وبذلك يُرجَّح أن تكون الدولة الشيعية العربية عامل توازن مقابل الدولة الفارسية أكثر من احتمال أن تكون حليفًا لها.

وبما أن كل الثقافات المتزمتة هي ثقافات زائفة، فإن دُبيّ بالضرورة ستحتفظ بموقعها كمرتع لعربدة المُترَفين، أما الكويت وعمان فستحتفظان بحدودهما الحالية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية