شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العلاقة بيْن الدين والدولة في الدولة المصرية الحديثة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سبق لنا في سلسلة مناهج الإصلاح أن بيَّنـَّا أنه لابد لكل حركة إصلاحية مِن أمرين:

الأول: نموذج الصلاح الذي تسعى إلى إيجاده.

الثاني: المعرفة الدقيقة بالواقع، ومدى انحرافه عن حال الصلاح المنشود.

ومِن خلال هذين الأمرين ينتج المنهج الإصلاحي الذي ينبغي أن تسير عليه.

ويجب أن نراجع أنفسنا دائمًا فيما يتعلق بكل مِن هذين الجانبين، ولن نطيل الكلام هنا كثيرًا على الجانب الأول على اعتبار أن درجة إدراكنا له أحسن حالاً بكثير من الجانب الثاني؛ وهو ما نريد أن نتعرض له في هذا المقال فيما يتعلق بموقع الدين في مصر على مستوى الدستور والقانون والثقافة، ونعني بها: "الفكر والقيم والأخلاق السائدة في المجتمع".

ويمكننا أن نقول: إن الحركة الإسلامية تأثرت بخطاب أحد فصائلها، ولم تحاول أن ترسم الخريطة التفصيلية لكل قطر من أقطار العالم الإسلامي لتضع الحلول المناسبة له، وإنما غلب عليها خطاب سياسي أخذ أكثر نماذج الدول الإسلامية تطرفًا في تطبيق العلمانية، وهي "تركيا"، واجتهد بعد ذلك في محاولة إثبات أن كل الدول لا تختلف عن "تركيا" إلا في قشرة ظاهرية، وأن كل القادة لا يختلفون عن "أتاتورك" إلا بهذا المقدار الظاهري، وأخذوا يعممون هذا الوصف حتى على تلك الدول التي تطبق الشريعة على المستوى الدستوري والقانوني "وإن وجدت انحرافات على مستوى الفكر والثقافة".

ونستطيع أن نقول: إن الحركة الإسلامية كانت دائمًا ما تنظر إلى نصف الكوب الفارغ، والأدهى من ذلك أنها كانت دائمًا ما تقطع بأن نصف الكوب المليء ليس إلا خداعًا استراتيجيًّا من صاحبه للحركة الإسلامية، وأن كل حاكم هو "أتاتورك" وإن صلى وصام وأعطى الحرية للدعوة الإسلامية.

ومن أجل ذلك خسرت الحركة الإسلامية فرص تعاون كبيرة مع كثير مِن الحكام الذين يوجد بينهم وبين الحركة الإسلامية "أرضية مشتركة" لدرجة تصل أحيانًا إلى حد التطابق ولو مرحليًّا.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن الإسلاميين الذين وصلوا بالفعل إلى الحكم لم يستطيعوا أن يتجاوزوا قضية إبراز الجانب الدستوري والشعبي لتدين الدول التي حكموها كل بحسب ما يسمح به دستور بلاده؛ ومِن ثَمَّ تفاوت هذا الأمر تفاوتًا كبيرًا من بلد مثل "تركيا" إلى بلد مثل "تونس" إلى أخرى مثل "مصر" - علمنا مقدار التجاوز في تعميم وصف العلمانية على كل مَن لم ينتمِ إلى الحركة الإسلامية.

وغني عن الذكر أن التعاون مع أي أحد كائنًا مَن كان في أمر مِن الخير لا يلزم منه السكوت عن أي خطأ عنده، والقاعدة الشرعية في ذلك: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) .

وبالتأمل في دعوة مثل دعوة الإخوان المسلمين نجد أنها دارت حول فكرة إعادة تكوين الخلافة الإسلامية بدءًا من دولة محورية تمثِّل نواة لإعادة الخلافة، وكان الأستاذ "حسن البنا" يقارن بيْن السعودية ومصر، وبين الملك "عبد العزيز" ملك السعودية آنذاك، والملك "فؤاد" ملك مصر آنذاك؛ ومِن ثَمَّ أفرط في الثناء على الثاني بصورة أزعجت الحركة الوطنية التي كانت تحاول أن ترسِّخ صلاحيات للأحزاب في مواجهة القصر، وكذلك بالغ الإخوان في الثناء على الملك "فاروق" في بداية حكمه، وأقاموا مؤتمرهم الرابع في القصر احتفالاً بجلوسه على العرش!

إلا أن تغيرًا طرأ على فكر الأستاذ "حسن البنا" بأن هذه الدولة النواة لابد وأن يقيمها الإخوان أنفسهم؛ ومِن ثَمَّ تغير موقفهم من الحكام، ولم يقتصر التغير على بيان ما عند الحكام مِن أخطاء، أو بتطبيق القاعدة الشرعية: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) كما هو الواجب، بل تعدى الأمر إلى الحرص على توصيف الواقع الدستوري للدول والحكام بأنها كلها نسخة من "تركيا العلمانية"، وأنهم كلهم نسخ مِن "أتاتورك!".

وبقي أن نشير إلى أن أصحاب هذا الخطاب لديهم مرونة حركية كبيرة تجعلهم يتعاونون ويتحالفون أحيانًا مع كثير من هؤلاء "والوقائع كثيرة لا تُحصَى"، وهم مع تحالفهم هذا لا يغيرون من رؤيتهم لهم قدر شعرة "ويظهر ذلك جليًّا في أول خلاف!".

ويبقى "السلفي" الذي اعتمد على هذا الفصيل من الإسلاميين في توصيف الواقع السياسي المعاصر حائرًا مضطربًا؛ إذ إنه حين يصدق أن كلهم "أتاتورك" يلزمه حينئذٍ أن يكون في موقف البراءة التامة منهم، في حين أنه يجد أن مَن أخذ عنهم هذا التوصيف يتقلبون في مواقفهم مِن الحكام تقلبًا يخضع للمواقف الآنية، ولا يعبِّر عن موقف رفض إستراتيجي!

ومِن هنا كانت الحاجة إلى دراسة الموقف في بلادنا دراسة دقيقة محايدة لا تجمِّل الواقع، وفي ذات الوقت لا تلصِق به كل نقيصة لتجعل مِن المجتمع أو من الدولة شرًّا محضًا!

لقد عصم الله السلفيين بما تعلموه مِن قواعد أهل السنة والجماعة في باب الإيمان والكفر، وبما درسوه أن مِن خصائص أهل السنة: رحمة أهل البدع والمعاصي، وأنهم يجمعون بين معرفة الحق ورحمة الخلق؛ فعصمهم الله بذلك من الانزلاق في وصف مجتمعات المسلمين المعاصرة بأنها مجتمعات جاهلية أو التعالي عليها.

وفي ذات الوقت: لم تداهن "الدعوة السلفية" أو تقر باطلاً، وإنما تعاملتْ مع أخطاء الأفراد والمجتمع والدولة بالحكمة والموعظة الحسنة، رغم ما يبدو مِن اتساع الهوة بين نمط الالتزام الديني الذي تدعو إليه وبين نمط الالتزام الديني الشائع "فضلاً عن أنماط الانحراف"؛ إلا أن الدعوة حافظت -بفضل الله- على بقائها في قلب المجتمع المصري المسلم، وتفاوت موقفها من الدولة بحسب وجود فرصة الاشتراك في تحديد شكل الدولة سواء من الناحية الدستورية أو القانونية، أو هويتها الأخلاقية والفكرية والثقافية.

الصفحة التالية