العلاقة بيْن الدين والدولة في الدولة المصرية الحديثة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ويبقى لنا أن نعالج النظرية الموروثة، وهي: "أن كل الدول الإسلامية قد تحولت إلى دول علمانية بعد سقوط الخلافة، وأن كل حكام المسلمين من حينها ما هم إلا نسخة من أتاتورك!"، والغرض ليس الدفاع عن أحد، وبالطبع ليس الهجوم على أحد، وإنما الغرض أن نعرف الواقع مِن حيث هو واقع؛ لكي نتعامل معه بما يصلحه، وبحيث يجعلنا بالفعل عونًا للجميع أن يقتربوا من الله -عز وجل- أكثر، كما قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لابنه: "والله لقد وددتُ أن هؤلاء القوم أطاعوا ربهم، وأن جسمي قد قرض بالمقاريض".
العلاقة بيْن المجتمع والدستور والقانون بيْن المثال والواقع المصري:
وقبل أن نبدأ في وصف الواقع المصري، نود أن نشير إلى سبب مِن أهم أسباب الالتباس في واقع البلاد الإسلامية "ومنها مصر" بعد سقوط الخلافة الإسلامية، وهو أن نظامها لا يسير على القواعد الطبيعية حيث تتحول القيم الحاكمة للمجتمع إلى دستور؛ ومِن ثَمَّ تخرج المنظومة القانونية محققة لهذا الدستور، وأما في بلادنا فالمنظومة القانونية تخالف الدستور حيث يمنع الدستور منذ 1980م من مخالفة الشريعة "وإن شئنا الدقة: فإن التفسير الصحيح لدستور 1923م أنه يمنع من مخالفة الشريعة"، في حين أن القوانين المخالفة للشريعة كانت قد دشنت بالفعل قبل هذا التاريخ بمائة عام، كما أنك تجد انفصامًا كبيرًا بيْن مَن يسمون بالنخبة المثقفة وبين الثقافة السائدة في عموم الشعب.
والأمانة تقتضي وصف الواقع على ما هو عليه بكل تناقضاته، وإن كان ولابد مِن تحيز؛ فليكن للجانب الحسن، فمثلاً: إذا كان الدستور يمنع مخالفة الشريعة في حين يوجد عدد لا بأس به من القوانين المخالفة للشريعة فينبغي أن نقرر أن وضع هذه القوانين هو وضع مخالف لدين الغالبية العظمى مِن الشعب، ولثقافة الشعب ولدستوره؛ ومِن ثَمَّ فهي واجبة التغيير مع الاحتفاء بمنع الدستور من مخالفة الشريعة.
إلا أن البعض يرى أن التهوين مِن شأن الصواب والتركيز على الجوانب المخالفة قد يعطيه قوة مواجهة أكبر، وهذا فرع على الانحياز لخيار المواجهة ولشعور باطن بأن الإسلام لن يُنصَر إلا على يديه! وهي التصورات التي عطلت على الأمة الكثير مِن التقدم في اتجاه ترسيخ هويتها.
وبعبارة أخرى: نريد أن نرسِّخ نصف الكوب المليء، وأن نسعى بالحكمة والموعظة الحسنة لملء النصف الآخر بدلاً من سياسة إفراغ الكوب لإعادة ملئه، فضلاً عن محاولة كسره!
ومِن الجدير بالذكر: أن الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله- كان يؤصِّل لهذا الفرق بين الدستور الذي قرر أنه غير مخالف للشريعة وبين القانون الذي يخالفها، مع الأخذ في الاعتبار أنه قرر هذا الكلام في ظل دستور 1923م، والذي تطور إلى الأحسن في دستور 1971م، ثم في تعديل 1980م، و في دستوري: 2012م و 2014م.
الأطوار التي مرت بها الدولة المصرية الحديثة:
مصر تمثِّل إقليمًا ذا طبيعة جغرافية وتركيبة سكانية خاصة منذ آلاف السنين؛ مما جعلها رغم تعاقب الأنظمة السياسية التي حكمتها والإمبراطوريات التي كانت مصر جزءًا منها دولة ذات وضع خاص، وتكاد تكون حدودها ثابتة على مر التاريخ حتى في الفترات التي انصهرت فيها ضمن إمبراطوريات أخرى، ومنها بالطبع وجودها في قلب الدول الإسلامية المتعاقبة، ومِن آخرها: "الخلافة العثمانية" التي لعبت مصر دورًا محوريًّا في فترات ازدهارها، وكان في استقلال مصر عنها أثر كبير في إضعافها.
ويؤرخ الكثيرون لوجود درجة من درجات استقلال مصر عن الدولة العثمانية بالحملة الفرنسية على مصر "1789 - 1801م"، وهي وإن كانت ذات تأثير على وضع مصر في الدولة العثمانية، إلا أننا لا نستطيع أن نؤرخ به؛ لأنه كان حدثًا على غير إرادة المصريين كشعب، وعلى غير إرادة الدولة العثمانية وولاتها في مصر؛ ومِن ثَمَّ قاومها الجميع.
ولكن الأولى أن نعتبر فترة حكم "محمد علي" لمصر هي بالفعل الفترة التي دشنت لاستقلال مصر عن الدولة العثمانية، وإن لم يكن هذا مقصودًا لـ"محمد علي".
1- فترة حكم "محمد علي" مِن "1805 - 1848م":
ويجب مِن باب الإنصاف "أو مِن باب معرفة الواقع على ما هو عليه"، أن نفرِّق بين الآثار التي ترتبت على وجود دولة "محمد علي" وبيْن المشروع الذي كان يحمله، ومِن العسير أن تجد دلائل على ما يذهب إليه كثير من مؤرخي الحركة الإسلامية بأن "محمد علي" كان يحمل مشروعًا تغريبيًّا رغم أن حركة التغريب قد بدأت في عصره.
ولكننا نميل أكثر إلى أن "محمد علي" كان يحمل مشروعًا عثمانيًّا، وأنه عندما وجد أن الدولة العثمانية في الأستانة تنتقل مِن ضعف إلى ضعف؛ طمح -أو بالأحرى طمع- إلى أن ينقل مركز الخلافة إلى مصر.
ومِن أجل ذلك سعى لتكوين جيش قوى في مصر، وكان يفضِّل أن يعتمد فيه على المماليك والأتراك، إلا أن الظروف اضطرته إلى أن يشكل جيشه مِن المصريين.
لقد استطاع "محمد علي" بالاعتماد على المصريين في تكوين جيشه أن يتفادى السبب الرئيسي في ضعف الدولة العثمانية عسكريًّا، وهو رفض فرسانها للتدريب على الأسلحة الحديثة لركونهم لما اعتادوا عليه من الفروسية، وتماشيًا مع روح العصر أرسل "محمد علي" الإرساليات إلى أوروبا.
ويلاحَظ أنه أرسل المبعوثين ليتعلموا العلوم التقنية، وليست العلوم الإنسانية؛ مما ينفي عنه تهمة القصد إلى التغريب وإن كان لم ينزعج منه، ولم يتخذ التدابير الكافية لمنع تسلل التغريب إلى قلوب وعقول مَن يرسلهم؛ فاكتفى في كبرى بعثاته بإرسال واعظ أزهري مع البعثة "الشيخ رفاعة الطهطاوي"، فأوتيت تلك البعثة مِن خلال هذا الواعظ.
ويمكن أن نلخِّص ملامح موقع الدين في دولة "محمد علي" مِن خلال محاور ثلاثة: "الدستور - القانون - الفكر والثقافة".
أ- الدستور:
لم يكن في عهد "محمد علي" دستورًا مكتوبًا، ولكن يمكننا أن نقول: إن العقد الاجتماعي بين الوالي والشعب في ذلك الوقت كان على ما هو عليه مِن أن الوالي يكتسب شرعيته بصفة أساسية من كونه ممثلاً للخلافة الإسلامية في حكم إقليم مصر.
ب- القانون:
كان العمل في مصر كما هو في غيرها من الولايات العثمانية بالقضاء الشرعي.
ج - الفكر والثقافة والأخلاق "ونتعرض له على ثلاثة مسارات":
أولاً: الطبقة الحاكمة: