العلاقة بيْن الدين والدولة في الدولة المصرية الحديثة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
في هذه الفترة وقعتِ الدولة العثمانية ككل "والدولة المصرية بالتبع" في أدنى وهداتها حيث شهدت تلك الفترة "الامتيازات الأجنبية" التي أدت في النهاية إلى تحكيم القوانين الوضعية على الرغم من بقاء الأساس الدستوري الذي قامت عليه البلاد على ما هو عليه من اعتبار الدولة العثمانية خلافة إسلامية، واعتبار مصر إحدى ولاياتها؛ ولكن للأسف كانت الدولة العثمانية الأم أسبق في تقديم التنازلات للدول الأوروبية في جانب القوانين، ومن خلال تبعية مصر للدولة العثمانية عرفت مصر الامتيازات الأجنبية، ثم أنشأت المحاكم القنصلية التي تتبع قنصليات الدول الأجنبية للنظر في المنازعات بين المصريين ورعايا تلك الدول الأجنبية؛ حيث يُقضَى في تلك المنازعات بما تراه هذه المحاكم لا بمقتضى الشريعة الإسلامية.
وفي عهد "الخديوي إسماعيل" حُوِّلت المحاكم القنصلية إلى محاكم مختلطة تابعة للدولة المصرية يلتزم الجميع "أجانب ومصريون" بالوقوف أمامها، ولكن قوانينها كانت مأخوذة من القانون الفرنسي، وكان ذلك بمشورة "نوبار باشا" للتخلص من المحاكم القنصلية، وبعد دخول الإنجليز مصر أنشأت المحاكم الأهلية بجوار المحاكم المختلطة ليتحاكم إليها المصريون أنفسهم في منازعاتهم الداخلية، وقوانينها أيضًا مأخوذة من القانون الفرنسي "وذلك في نوفمبر 1883م"، وهي كما ترى محاكم غير شرعية؛ إذ لا تلتزم بالشريعة الإسلامية، وسميت "بالأهلية" أي "محاكم وطنية غير أجنبية".
فكان إنشاء هذه المحاكم تعميمًا لتحكيم القوانين الوضعية في مصر "هذا وقد أُلغيت المحاكم المختلطة بعد ذلك عام 1949م، وألغي القضاء الشرعي المتعلق بأحكام الأحوال الشخصية، وأدمجت في دوائر تابعة للمحاكم الأهلية القائمة على القانون الوضعي في عام 1955م"، وبهذه الخطوة حصل الانحراف الأكبر في تاريخ مصر المعاصِر، وهو فرض القوانين الوضعية وتنحية الشريعة الإسلامية.
رغم مخالفة ذلك لأمرين هامين:
الأول: الاعتقاد الديني والإرادة الحقيقية للغالبية العظمى من الشعب المصري.
الثاني: العقد الاجتماعي الإسلامي المنشأ للدولة سواء الدولة العثمانية أو الولاية المصرية.
فائدة: "التدخل الأجنبي لمساندة الشريعة... مفتاح الاحتلال":
القبول بالتدخل الأجنبي في بلاد المسلمين تحت دعوى مساندة حاكم شرعي هو بعينه خطأ "الخديوي توفيق"، وهو الذي أبقى مصر تحت الاحتلال البريطاني نحوًا من 75 سنة، ومَن يفكر فيه مجرد تفكير؛ فهذا ينم عن جهل بالتاريخ والواقع "وجهل بالشرع قبل كل ذلك"، وعدم المعرفة بقواعد الشريعة.
الاحتلال الإنجليزي ونقطة التحول في الصراع على الهوية الإسلامية لـ"مصر":
كانت الأمور كما ترى تسير مِن سيئ إلى أسوأ من حيث الجملة، ومَن يقارن الحال الثقافي والدستوري والقانوني لمصر في عصرنا يجد أنه أفضل على كل هذه الأصعدة من الحال في بدايات الاحتلال الإنجليزي؛ فمتى بدأ المنحنى في التحسن؟!
وما هي نقطة التحول في اتجاه هذا المنحنى؟!
وبالطبع نحن لا نتعامل مع دالة رياضية نستطيع أن نحدد نقاط تحولها بدقة، وإنما نحن نتعامل مع مجتمع بشري، ولكننا نستطيع أن نقرر أن: "لحظة دخول الاحتلال الإنجليزي مصر هي نهاية السقوط وبداية الصعود".
نعم، جاء الإنجليز وجاءت معهم صحف وأغدقت أموال، وأسست أحزاب دعت بشكل سافر للتبعية الفكرية للغرب، ولكن هذه الدعوات الصريحة أوجدت دعوات مناوئة أكثر صراحة، بخلاف حالة تسلل الغزو الفكري الذي نتج عن تجربة "رفاعة الطهطاوي".
بل ونتج عن هذا أن صار الشعب معنيًّا بهذه المعركة، وتقاسمت الأحزاب الرافضة للوجود الإنجليزي "الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل، وحزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين" الجماهير فيما بينها "على تفصيل يأتي ذكره في المقالة المقبلة -بإذن الله-"، في حين عانت الأحزاب المهادِنة للإنجليز "مثل: حزب الأمة، وحزب الأحرار الدستوريين، وحزب السعديين" مِن العزلة الشعبية.
وإذا كانت إنجلترا قد استطاعت سلخ مصر عن الدولة العثمانية بإعلان الحماية عليها سنة 1914م، فإن الشعب المصري قد رد على هذا بثورة 1919م التي أجبرت إنجلترا على الاعتراف الشكلي على الأقل باستقلال مصر سنة 1922م، وتلاه صدور أول دستور للبلاد سنة 1923م ينص على أن: "دين الدولة الإسلام"، في الوقت الذي كانت فيه "تركيا" بلد الخلافة تتجه إلى العلمانية الغالية!
وأعجب مِن هذا أن مصر التي سلخت مِن الخلافة رغمًا عنها، وأصبحت مملكة مستقلة، كان أدباؤها وعلماؤها هم أكثر أهل الأرض بكاءً على إلغاء الخلافة سنة 1924م.
وعلى الصعيد القانوني جاءت إنجلترا إلى مصر، وقد فرغت مصر مِن تطبيق القانون الفرنسي بحذافيره، وفى ظل وجوده صدر الدستور المدني المصري وهو أحسن حالاً من سابقه، وإن ظل القانون الفرنسي هو مصدره الأول "ولهذا الأمر قصة سوف نتناولها في المرة المقبلة -إن شاء الله-".
إذن كانت هذه هي نقطة التحول تبعتها خطوات تحول على المستوى الدستوري بتقرير أن الإسلام هو دين الدولة، وتحول قانوني وإن كان في غاية البطء نحو التحرر من القانون الفرنسي في قانون 49، ثم في إلغاء البغاء بعد ثورة 52، وأما الثقافة فماجت أمواجها عاتية كموج البحر، وإن سارت في الجملة في اتجاه وعي الشعب وتمسكه بهويته.
وخلاصة ما نريد أن نقرره هنا "وما سنكمل حلقاته في المرة المقبلة -إن شاء الله-": أننا لا ينبغي لنا أن نتبرع -ولو مِن باب التحفيز- فنقر بأن مصر تخلت عن هويتها الإسلامية حينًا مِن الدهر، بل إن العرض السابق يوضح لنا بجلاء أن مصر -على الأقل- مِن الناحية الدستورية كانت دائمًا إما جزءًا من الخلافة الإسلامية، أو مملكة دينها الرسمي الإسلام، أو جمهورية دينها الرسمي الإسلام "دستور 56"؛ فضلا عن دساتير: 71 و 2012م و 2014م.
كما أنه لا ينبغي لدعاة التمسك بهذه الهوية أن ينكمشوا؛ فيتمدد غيرهم...
فما زال الشعب رغم الأخطاء التي اُرتكِبت "باسم الإسلام" حريصًا على هويته، متمسكًا بها.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل!