العلاقة بيْن الدين والدولة في الدولة المصرية الحديثة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
يعتبر "محمد علي" ذاته نموذجًا لشخصية "الحاكم المدير" الذي يَعنَى بإدارة الدولة أكثر مما يعنى بهويتها أو أيديولوجيتها؛ وهذا لا يعني الحياد التام، فإنه في غاية الندرة في البشر، ولكن نعني أن يكون الجزء الأكبر من اهتمامات الحاكم -والذي غالبًا ما يصبغ أجهزة الدولة بصبغته حتى بعد عصر الدساتير المؤسسية- موجهًا إلى الإدارة.
وهذا النوع من الحكام هو الأكثر رواجًا في مصر منذ هذا التاريخ، مع وجود ميل لدى بعض الحكام إلى لون فكري أو نمط ثقافي، وغالبًا ما يتشكل هذا التوجه من حالة الثقافة السائدة في النخبة والحالة الثقافية الشعبية، كما يتأثر بصورة أو بأخرى بالعلاقات الخارجية.
ثانيًا: النخبة المثقفة:
كانت الحملة الفرنسية قد خلَّفت وراءها أقوامًا من المثقفين قد أصابتهم الهزيمة النفسية وشعروا بالدونية أمام ما شاهدوه من تقدم الفرنسيين، ويا ليت همتهم قد تحركت لنقل ما عند الفرنسيين مِن تقدم تقني، ولكنهم عموا عن هذا أو تعاموا! وانصرفوا عنه إلى الترويج لمناهج الحياة الغربية؛ وقد بدا هذا التيار الاستغرابي غريبًا منبوذًا من عامة الشعب.
وإذا كان تيار التغريب "الصريح" قد عانى عزلة شعبية، فإن تيار الانبهار بالغرب مع قدر مِن التحفظ الأخلاقي "والذي مثـَّله رفاعة الطهطاوي" يبدو أنه مر دونما ممانعة شعبية؛ لا سيما أن علماء الأزهر كانوا حيال هذا التيار بين راضٍ أو عاجزٍ عن المواجهة، أو منشغل عنها.
ثالثًا: الجمهور:
اتسمت الحالة الفكرية والثقافية في هذه الحقبة بالخمول والانفصال التام بين الجمهور والنخبة بكل توجهاتها؛ سواء دعاة التغريب أو معارضيه، مع شيوع نمط مِن التدين مغرق في البدع والخرافة، بعيد عن تشكيل النمط السلوكي والأخلاقي للفرد.
وكانت "الدعوة الوهابية" قد بذلت جهودًا في مقاومة هذا النمط مِن التدين الذي كان شائعًا أيضًا في شبه الجزيرة العربية، وتجاوب معها بعض مصلحي مصر: "كالجبرتي، والزبيدي"، إلا أن "الدولة العثمانية" قد رأت في ازدياد نفوذ الدعوة الوهابية خطرًا عليها، وأنابت "محمد علي" في حربها؛ مما أخر تأثيرها الحقيقي في مصر إلى بداية القرن العشرين على يد "محمد رشيد رضا".
فائدة: "القائد المدير والعوامل المؤثرة في توجهاته الفكرية":
ذكرنا أن "محمد علي" دشَّن لنموذج الحاكم المعني بتدبير شئون الدولة أكثر مِن اهتمامه بتوجهها الفكري، وأن هذا النوع من القادة غالبًا ما لا يفرض توجهه الفكري بقدر ما تكون توجهاته نتيجة لمحصلة توازنات القوى الفكرية.
ومن هنا تظهر أهمية مساندة مَن يوجد لديه توجه نحو الحفاظ على هوية الدولة من هؤلاء، وإلا شكَّلت التيارات الفكرية الأخرى وسطًا فكريًّا سيبدو بصورة كما وكانت مجمعًا عليها، وربما حدثت مؤثرات خارجية، وقد حدث أن جاء الخديوي "عباس حلمي الثاني" وكانت توجهاته مناهضة للاحتلال الإنجليزي وللثقافة الوافدة؛ حتى إن "كرومر" كتب عنه في بداية حكمه: "إن "مبادئ الثورة العرابية عادت مرة أخرى، ولكن عن طريق الخديوي"، ولكن القوى الوطنية فشلت في مساندته حتى رضخ للإنجليز في نهاية أمره، ومع هذا أجبره الإنجليز على التخلي عن الحكم.
فائدة: "رفاعة الطهطاوي كنموذج لأسلوب تقييم مَن جمع بين حق وباطل":
مِن الحقائق التاريخية التي لا تخطئها العين أن "رفاعة الطهطاوي" قد فتح باب التغريب على مصراعيه بانبهاره بتقدم الغرب، والذي امتد إلى الإعجاب التام بنظم إدارتهم وسياستهم؛ مما أضعف السياسة الشرعية رغم تقدمها على سياسة الغرب أمام أعين الأجيال الجديدة، لا سيما وأن الطهطاوي قد ظهر وسط حالة جمود فكري؛ فلم ينتبه -أو لم يستطع- علماء الأزهر آنذاك أن يواجهوه، وإن بدا من مذكراته أنهم لم يكونوا مرتاحين بشكل كبير لأطروحاته.
وتأتي المشكلة الأكبر لدى "الطهطاوي" أنه حكى عادات الغرب الأخلاقية بطريقة محايدة أحيانًا، وربما حاول تبريرها في أحيان أخرى، ولكن هل يكفي هذا أن نصفه بأنه دعا إلى العلمانية؟
يجب قبل أن نقرر هذا أن نقف عند نصائحه المباشرة للمسلمين؛ فقد طالبهم بأن يتمسكوا بأخلاقهم، مِن الحجاب والعفة، وغيرها من الأخلاق الإسلامية (يُراجَع كتاب: "رفاعة الطهطاوي بيْن العلمانية والإسلام") .
2- الفترة من نهاية حكم "محمد علي" إلى الاحتلال الإنجليزي 1882م:
أولاً: الحالة السياسية والفكرية العامة "الفكر والثقافة":
لم تتغير الحالة الفكرية والثقافية كثيرًا عن تلك التي كانت سائدة في عصر "محمد علي"، ولكن تفاوتت أحوال الولاة بعده على النحو الآتي:
لم يطرأ على كل مِن "إبراهيم باشا"، و"عباس الأول"، و"محمد سعيد" تطورات تُذكَر في هذا الجانب، وإن كان كل منهم كان أضعف مِن سلفه في الجوانب الإدارية.
وبدأ الميل إلى الثقافة الأوروبية يظهر بوضوح لدى "إسماعيل باشا" الذي حصل على درجة استقلالية أعلى عن الدولة العثمانية، وفى الوقت نفسه أكثر مِن الاستدانة مِن الغرب والتبذير في الإنفاق؛ ومن ذلك أنه زاد من الجزية المدفوعة للسلطان العثماني مقابل الحصول على لقب "الخديوي"؛ ونتيجة لديونه تدخلت الدول الأوروبية كثيرًا في الشأن المصري، وعندما أبدى امتعاضه من هذا الوضع أجبروه على تسليم الحكم لابنه "توفيق" الذي شهد عصره تطلع المصريين إلى تطبيق نظام حكم نيابي.
وقامت الثورة العرابية وتجاوب مع مطالبها في أول الأمر؛ إلا أن إنجلترا وفرنسا قد تدخلتا لإيقاف هذه الإصلاحات رغم أنها تتماشى مع مناهجهم، وحرصوا على إذكاء الخلاف بين "الخديوي توفيق" وقادة الحركة العرابية؛ ليجبروا "توفيق" على القبول بتدخلهم، وقد حدث وقامت إنجلترا باحتلال مصر عام 1882م تحت دعوى أنها جاءت بطلب من "الخديوي توفيق" لدحر الحركة العرابية.
ثانيًا: الدستور:
رغم أن هذه الفترة قد شهدت ميلاد أول وثيقة لتنظيم العمل النيابي التي يعدها البعض بمثابة أول دستور للبلاد "والبعض يرى أن بعض الوثائق التي صدرت في عهد محمد علي أولى بهذا الوصف"، ولكن كل هذه الوثائق لم تتعرض لأساس قيام الدولة، والأساس الذي يتولى الحاكم بناءً عليه "وهو أن مصر جزء من الخلافة العثمانية".
ثالثًا: القانون: