شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مؤتمر "جروزني" أم مؤتمر (بوتين - قاديروف) لمنع جهاد المحتل؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أثار مؤتمر "مَن هم أهل السُّنة؟"، والمنعقد في العاصمة الشيشانية "جروزني"، في الفترة مِن 25 إلى 27 أغسطس الجاري، الكثير مِن ردود الفعل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

ولا خلاف أن غالب أهل "الشيشان" مسلمون، وأنهم يحبون الأزهر وعلماءه، وأنهم تعلموا أن عقيدة الأشاعرة هي العقيدة الحقة، فتمسكوا بها، ومثل تلك البلاد التي ينتشر فيها الإلحاد لهي مِن أولى البلاد بقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان تلبيس الجهمية: "وذكر ابن خزيمة وغيره أن الإمام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعن أصحابه كالحارث، وذلك لما علموه في كلامهم مِن المسائل والدلائل الفاسدة، وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السُّنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السُّنة والجماعة والحديث، وهم يعدون مِن أهل السُّنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة ونحوهم، بل هم أهل السُّنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها المعتزلة والرافضة ونحوهم".

وبالتالي فلو أن جمعًا مِن علماء المسلمين ذهبوا إلى تلك البلاد للقيام بحقهم، وربطهم بالعالم الإسلامي، وتحذيرهم مِن تيارات الإلحاد والزندقة، ومِن مشروعات تذويب الهوية، لوجب على جميع السلفيين أن يفرحوا بهذا، وأن يستبشروا؛ سواء أكان هؤلاء العلماء مِن العلماء السلفيين أم مِن الأشاعرة أو الماتريدية "كما تقدم كلام ابن تيمية في ابن كلاب وأصحابه، وهو المذهب الأم الذي تفرع منه كل مِن الأشاعرة والماتريدية".

فالسلفيون عمومًا "والذين عنوا بتراث ابن تيمية وفهموا منهج السلف عن طريقه خصوصًا" تُنقش في أذهانهم تلك المعاني الطيبة ويتعلمون منه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، ويتعلمون منه: "قاعدة أهل السُّنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة"، ويعرفون مِن سيرته أن ابن مخلوف وغيره قد أفتوا بقتله عصبية، فلما دارت عليهم الدوائر وأراد السلطان أن ينتزع منه فتوى بقتلهم بالغ بالثناء عليهم، وحذره مِن أنه لا صلاح للناس إلا بهم!

إذن ما المشكلة؟!

ثمة مشكلتان جوهريتان مِن حيث المبدأ، وأخريتان مِن حيث المضمون:

أما الأولى: فهي عنوان المؤتمر "مَن هم أهل السُّنة والجماعة؟" وهو عنوان لا يليق أن يعقد له مؤتمر في بلاد تئن في واقع الأمر تحت احتلال روسي، وإن سمي "اتحادًا"؛ لأنه اتحاد تم بعد أن تعرضت الشيشان عمومًا "وجروزني التي استضافت المؤتمر خصوصًا"، لحملة إبادة مِن أشنع الحملات في التاريخ.

أما الثانية: فهي أن المؤتمر برعاية رسمية مِن الحكومة الشيشانية الموالية لموسكو، ومِن موسكو ذاتها، باعتبار الوضع السياسي للشيشان كجزءٍ مِن الاتحاد الروسي -كما أسلفنا-.

وأما مِن حيث المضمون فكانت هناك مشكلتان جوهريتان أيضًا:

الأولى: أن المؤتمر شدد على أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية.

الثانية: أن المؤتمر تجاوز نقطة تعريف أهل السنة إلى قضية الهجوم على جماعات لم يسمها، ولكن وصفها بأنها جماعات منحرفة، تكفر وتقتل وتدمر و... إلخ. وقد بدأ الخطاب في هذا الجانب قوي اللهجة، شديد التوتر. وبدت الجزئية الأولى جزئية ثانوية، مقارنة بتلك الجزئية الثانية.

وقد يقول قائل في النقطة الأولى:

وماذا تتوقع من علماء أشاعرة وماتريدية؟ وهل أجاب القوم إلا بما يعتقدون؟ وماذا لو كان السلفيون مكانهم: ألن يبينوا ما يعتقدونه مِن لزوم اتباع المنهج السلفي، وأن الأحق بلقب أهل السنة والجماعة هم مَن اعتقد عقيدة الصحابة والتابعين قبْل أن يَرد عليها الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؟

والإجابة:

أن هذا قد ينطبق على ما يُقال في الأروقة العلمية، ولكن أن تأتي لقوم يعانون ما يعانون، ويتعرضون لحرب تغريب، ويتعرضون لحرب تشييع، لا سيما مع التعاون الوثيق بيْن النظام الإيراني والنظام الروسي في كثير مِن المجالات، ومنه ضرب الشعب السوري، فتقيم مؤتمرًا لكي تعرّف مَن هم أهل السنة؟

وأريدك أن تسرح بخيالك: ماذا لو كان السلفيون هم مَن عقد مثل هذا المؤتمر وحاول أن تستجمع قواك التخيلية؛ لتستحضر ما كان سيُقال عن فقه الواقع وفقه المآلات وفقه الأولويات وفقه الخلاف و... وقد قدَّمنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أنه يعتبر الكلابية والأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة في البلاد التي يشيع فيها الرفض والاعتزال، فقارن بينه وبين هذا المؤتمر لتعرف أن مِن خصائص أهل السنة: "أنهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق" كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

وأما المشكلة الثانية: والتي تتعلق بإلحاح المؤتمر على براءة أهل السنة مِن المتطرفين والإرهابيين، وهذه لا يمكن فصلها عن أن المؤتمر يتم برعاية "بوتين" و"قديروف"، وعلاقة هذا بالحرب الشيشانية الأولى والثانية، كما سنبينه في الفقرة التالية:

الحربان الشيشانيتان الأولى والثانية:

الشيشان هي إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية، والتي كانت بدورها إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، والذي تفكك مورثًا تركته لروسيا الاتحادية، وبدت عوامل التفكك تظهر على روسيا الاتحادية ذاتها؛ مما دفع روسيا إلى اتخاذ إجراءات عنيفة لوأد أي محاولة انفصالية، أو لتأديب رؤساء الجمهوريات الذين لا يلتزمون حرفيًّا بتوجهات "الكرملين"، وفي هذا الصدد غزت القوات الروسية الشيشان في عام 1994م بغرض عزل الرئيس "جوهر دوداييف"، فقام الجيش الشيشاني وتضامن معه الشعب، وانضم إليهم عدد من المجاهدين العرب لصد هذا العدوان، وكان "أحمد قديروف" والد الرئيس الشيشاني الحالي مفتيًّا للشيشان، وشارك في مقاومة العدوان الروسي.

وفي هذه الحرب أبلى القائد "شامل باساييف" بلاءً حسنًا في الدفاع عن الشيشان، واستشعرت روسيا الخطر، واضطرت للتفاوض وإجراء محادثات سلام لم يكن الغرض منها سوى التقاط الأنفاس، وترتيب مؤامرة للإطاحة بـ"شامل باساييف" وغيره ممن صدوا الهجوم الروسي.

الصفحة التالية