مؤتمر "جروزني" أم مؤتمر (بوتين - قاديروف) لمنع جهاد المحتل؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وفي عام 1997 تم توريط الجيش الشيشاني في داغستان بطريقة تفوح منها رائحة المؤامرات، وتشير بعض التقارير إلى أن المقصود كان الإطاحة بالرئيس الشيشاني "مسخادوف" وأبرز قادته "شامل باسيايف".
وفي عام 1999 حدثت تفجيرات عنيفة في موسكو، وزعمت موسكو مسئولية "باساييف" عنها، ومعه بعض المجاهدين العرب كـ"خطاب"، وعلى إثر ذلك قامت بغزو الشيشان، وهي الحرب الشيشانية الثانية، وهي الحرب التي أبلى فيها "شامل باساييف" بلاءً حسنًا، ولم يترك جروزني للروس إلا بعد مبالغة الروس في الإجرام وقتل المدنيين بأبشع صور القتل؛ وإلا فقد كان شامل وقواته صامدين تمامًا مِن الناحية العسكرية.
وانتهت الحرب بانتصار (قذر) لروسيا، على جثث الشيوخ والنساء والأطفال، وتم التمكين لأحمد قديروف كرئيس للشيشان، كدولة ضمن الاتحاد الروسي.
مَن هو "أحمد قاديروف"؟
أحمد قاديروف كان مفتي الشيشان إبان الحرب الأولى مع روسيا، وساهم في تجييش الشعب الشيشاني ضد روسيا، وفي الحرب الثانية وقف ضد الرئيس الشيشاني مسخادوف، وبعد مجزرة شنيعة نجحت روسيا في قتل شامل باساييف، وسيطرت على الشيشان، ومكنت أحمد قديروف من حكم الشيشان، وقد برر قديروف موقفه؛ من أنه طالب مسخادوف بالتخلص من شامل باساييف، ومن طرد المجاهدين العرب، لتفادى الحرب مع روسيا فرفض، فاضطر للدخول في حلف مع روسيا؛ خوفا مِن سيطرة (المتشددين العرب)، الذين استعان بهم شامل باساييف على روسيا.
وبعد أن وصل للحكم تم اغتياله، وبعد قتله تم تصعيد ابنه رمضان قديروف في عدة مناصب، حتى أصبح الرئيس الشيشاني الحالي.
الجهاد الشيشاني نموذج نادر لجهاد منضبط في الجملة:
ويجب علينا أن نعترف بكل أسى أن كثيرًا مِن المسلمين قد أساءوا إلى مفهوم الجهاد حين سموا خروجهم على المسلمين في أوطانهم جهادًا، وأساءوا إلى مفهوم الجهاد حين أقدموا على نقض العهود مع غير المسلمين، أو خفر الأمان الذي يُعطى للسياح للدخول إلى بلاد المسلمين، أو غدر البعض بالبلاد غير الإسلامية التي تعطيه تأشيرة دخول إلى أراضيها، إلى آخر هذه الممارسات التي نشكو منها جميعًا.
والغرب محترف في ابتزاز المسلمين كلما أخطأ منهم واحد أو فئة، فإذا حدثت حادثة إرهابية باسم الجهاد في أي بلد غير إسلامي، نجد إنكارًا مِن كل الهيئات الدينية الرسمية والشعبية في العالم الإسلامي، وهذا جيد في ذاته، ولكن مع هذا يحمل كل المسلمين في كل العالم مسئولية هذه الأخطاء، في حين تتورط الأنظمة الغربية والشرقية -على حد سواء- في حروب إبادة ممتدة عبر عشرات السنين، وربما مئات أحيانًا دون أن يعتذروا أو يتراجعوا، بل دائمًا ما يجعلون أدنى حادثة مِن أي مسلم مبررًا لاستمرار القتل. وهنا تكمن أهمية صور الجهاد المعاصرة المنضبطة، مثل: القضية الفلسطينية، والقضية الشيشانية.
وبالطبع لا يمكن إحصاء كل التفاصيل التي حدثت في هذه القضايا عبر التاريخ، ولكن مِن حيث المبدأ نجد أن القتال فيها في مواجهة عدو غاشم، لا تربطك به معاهدة أنت قد غدرت بها، بل هو مَن يغدر، وهو مَن يعتدي، فلا يكون القتل موجهًا للأمة أو لغيرها ممن له عهد أو أمان، وإنما يكون موجهًا لمن يستحق القتال بالمعايير الشرعية، بل وبمواثيق الأمم المتحدة.
ووجود هذه الصور واقعيًّا يرد على طرفين:
الأول: مَن يتغنى بنصوص حب الجهاد، ثم إذ به يجعله سفكًا للدماء بغير حق، وهؤلاء هم مِن أكثر الناس صدًّا عن سبيل الله، ومِن أبرزهم في زماننا "داعش"، والتي يظل المرء في حيرة مِن أمره: لماذا أصر المؤتمر على تعمية أمر المتطرفين والقتلة الذين يذمهم، ولم يذكر "داعش" ولو على سبيل المثال؟! (والإجابة واضحة أن الغرض الأصلي إلصاق تهمة الإرهاب بمن جاهدوا في مواجهة روسيا).
الثاني: فريق يطالب بإسقاط أبواب الجهاد مِن كتب الفقه، بل ربما تبجح بعضهم فطالب بحذفها مِن الكتاب والسُّنة! ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) (الكهف:5) .
ولذلك يجب أن يدرك هؤلاء أن الجهاد هو مصدر عزة الأمة، وأنه باق إلى قيام الساعة، وأنه شرع لحفظ الدين والعرض والنفس والمال.
فائدة: حول موقف "الأزهر" مِن حذف أبواب الجهاد وموقف الشيخ "أحمد الطيب" في هذا المؤتمر:
وهنا لا بد وأن نشيد بموقف "الأزهر" الذي رفض حذف أبواب الجهاد مِن مناهجه، كما اقترح ذلك بعض العالمانيين في بلادنا، تحت ذات الذريعة: "مقاومة الإرهاب".
وأما في هذا المؤتمر، فقد كان موقف الشيخ "أحمد الطيب" ووفد الأزهر أكثر المواقف إنصافًا، حيث أصر الشيخ "أحمد الطيب" على أن يذكر أن: "أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث"، وهي عبارة تكون صحيحة تمامًا في مواجهة التشيع والاعتزال، فضلاً عن الإلحاد والزندقة، كما تقدم عن ابن تيمية، وهي بصفة عامة -مِن وجهة نظر أصحاب الحديث- أكثر رحابة، وأقرب إلى منهج الإمام الأشعري نفسه مِن المنهج الذي نشره أبو المعالي الجويني، ومال فيه جدًّا إلى الاعتزال، في حين أن الأشعري في كتاب الإبانة موافق تمامًا لأهل الحديث، وأهل الحديث يدّعون أن هذا هو آخر أحواله، وعلى ذلك قرائن كثيرة ليس هذا مجال تفصيلها.
وحتى على القول الذي ينصره عامة الأشاعرة اليوم مِن أن المنهج الذي تصح نسبته للإمام الأشعري هو ما يوجد في كتابه "اللمع"، وإذا رجعت إلى "اللمع" ستجد أنه يسير على تأويلات ابن كلاب، ولكنه إنما يناظر بها المعتزلة لا أهل الحديث، وكأنه ليس في خطته ولا في مقصوده صرف أهل الحديث عن منهجهم، وهو ما أشار إليه الغزالي في "فيصل التفرقة"، وصرَّح به "النووي" في مقدمة المجموع، وحاصل كلامه أن مَن قدر على التسليم للظاهر دون حاجة إلى التأويل فهو أولى، وإلا فيجوز أن يلجأ إلى التأويل لرد شبه المبطلين (والمقصود بهم الفلاسفة والباطنية والمعتزلة).