فوائد إيمانية من قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام-
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
أهمية الدعاء والحكمة مِن البلاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان إبراهيم -عليه السلام- عندما يصيبه أمر يفزع إلى الله -عز وجل- ويلجأ إلى الصلاة والدعاء، كما في قصته مع جبار مصر حين أتى بامرأته سارة -عليها السلام- إلى مصر، وعَلِم إبراهيم -عليه السلام- أنه لو أخبرهم أنها امرأته لقتلوه وأخذوها، فقال لزوجته: ( يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي... ) (متفق عليه) ، فأمرها أن تخبرهم بأنها أخته حتى لا يُقتل، فأخذها الجبار فأراد أن يتناولها، ووقف إبراهيم -عليه السلام- يصلي ويدعو الله -عز وجل-.
فأخذ الله -سبحانه وتعالى- ذلك الجبار الملك الظالم الذي أراد أن يتناول سارة -عليها السلام- وأكرمها الله -سبحانه وتعالى- وعصمها منه مرات متتابعة؛ فكلما أراد أن يهوي بيده إليها أًخذ وشُلت يده، حتى قال: ( إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ) (متفق عليه) ، وكان ذلك مِن فضل الله -سبحانه وتعالى-.
فالعبد المؤمن كثير الدعاء، يدعو ربه -عز وجل- في الشدائد والمحن، ويلجأ إليه -سبحانه- أن يعصمه وأهله، وينجيه من كل سوء ومن كل كرب، والدعاء يسمعه الله -عز وجل- من المؤمنين: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) (الشورى:26) ، وبه تتغير مقادير الناس، والله -سبحانه وتعالى- يرفع ويخفض، وهو -سبحانه- كل يوم هو في شأن؛ يفرِّج كربًا، ويغفر ذنبًا، ويفك أسيرًا، ويُطعم مَن يشاء، ويغني ويُفقِر، ويميت ويحيي، ويُسعد ويُشقي.
وجعل -سبحانه- من أسباب الخير لابن آدم كثرة الدعاء، وإبراهيم -عليه السلام- إمام في الدعاء والتضرع إلى الله -سبحانه وتعالى-، فعلينا بهذا السلاح العظيم الذي لو صدقنا الله -عز وجل- فيه، ودعونا الله -سبحانه وتعالى- بانكسار وضعف، وشعور بالفقر، والحاجة إليه -سبحانه وتعالى- لغير الله -عز وجل- ما بنا، وذلك بشرط عدم الاستعجال.
فكثير من الناس يقول: نحن ندعو منذ سنين ولم يتغير الحال، فنقول: بل تغير بفضل الله -سبحانه وتعالى-، فقد كانت الأمة قبل سنوات أو قبل عقود قليلة من الزمن بعيدة تمام البعد عن الله -عز وجل- وأكثر شبابها ورجالها ونسائها لا يعرفون حتى الصلاة ولا يؤدون الصلاة، بل كان أمرًا معتادًا منذ سنوات ليست بالكثيرة أن يكون كل الشباب لا يحافظون على أداء الصلاة وأن تكون المساجد خالية من أهلها، وألا يكون هنالك علم بالكتاب والسنة، وإنما كان يسير الناس في شهواتهم ورغباتهم، وتسلط الأعداء على الأمة مِن أسباب ردها إلى الله -سبحانه وتعالى-.
وعودة المسلمين إلى الله -عز وجل- ارتبطت بأحداث جسام تقع لهم، وهذا من أسباب رحمة الله بهم، كما قال -عز وجل- في بني إسرائيل إذ ذكر تسليط الأعداء عليهم قال: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) (الإسراء:8) ، فمن كان عنده بقية من إيمان وسلط الله -عز وجل- عليه البلايا والمحن فذلك لأجل أن يزداد إيمانًا وتسليمًا، ولأجل أن يرحمه الله -سبحانه وتعالى-، ولا يجوز أن نقول: دعَوْنا فلم يستجب لنا؛ فإن ذلك من موانع استجابة الدعاء، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ) (متفق عليه) .
والاستعجال آفة خطيرة في الإنسان، وأعمار الأمم تُقاس بعشرات السنين "بل بمئاتها" وليس بأعمار أفرادها!
وكم من التغيرات في حياة بشر لها مقدمات في الأجيال التي سبقتهم! وعلى قدر ما يقع في قلوب أهل الإيمان من إيمان وإسلام وإحسان يرفع الله -عز وجل- تسلط عدوهم عليهم، وبقدر صدقهم وامتثالهم وتذللهم لله -عز وجل- بقدر ما يرفع الله -عز وجل- ما نزل بهم، والله -سبحانه- يبتلي عباده ليسمع تضرعهم، قال -عز وجل-: ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) (الأنعام:43) .
فلنفقه لماذا نُبتلى بأنواع البلايا من الغلاء والأوبئة والمحن، وتسلط العدو، واحتلال البلاد وأخذ الكبار والصغار والأولاد أسرى، وغير ذلك من أنواع البلايا... ؟!
ذلك لكي نزداد انكسارًا لله، ودعاءً وتضرعًا له -سبحانه-، فالكسير يجبره الله الجبار، ومَن تجبر وطغى يكسره الجبار العزيز ذو الانتقام، والله ينزل بأسه بالناس ليعودوا إليه -عز وجل-؛ فإن لم يعودوا، بل ازدادوا طغيانًا فتح عليهم من أسباب الرخاء في الدنيا ثم يأخذهم بغتة كما قال -سبحانه-: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:44-45) ، فنحن محتاجون إلى الدعاء وأن نقتدي بإبراهيم -عليه السلام- في الدعاء والتضرع لله -سبحانه وتعالى-، وكمال التوكل عليه، وصدق اللجوء إليه حتى يرفع الله -عز وجل- ما بأمتنا من أنواع البلايا والمحن.
الثقة بالله وحسن الظن به -سبحانه-: