شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فوائد إيمانية من قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام-

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

إبراهيم -عليه السلام- إمام في تصديق وعد الله -سبحانه وتعالى-، وفي أنه -عز وجل- سميع الدعاء -وإن طالت المدة-، فإبراهيم -عليه السلام- سأل الله أن يهب له من الصالحين وهو مهاجر من قومه، فقال: ( إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (العنكبوت:26) ، وقال -تعالى-: ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) (الصافات:99-100) ، فإبراهيم قد دعا إلى الله وهو فتى شاب، ومع ذلك قدَّر الله أن تستجاب هذه الدعوة بعد كبر السن فإنما وُلد إسماعيل وهو ابن بضع وثمانين سنة، وإسحاق بعد ذلك بثلاث عشرة سنة، وعند أهل الكتاب بعد أن تجاوز المائة، فقال إبراهيم -عليه السلام-: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) ( إبراهيم:39) .

فاليقين في الله والثقة به من أعظم أوصاف الأئمة في الدين: قال -عز وجل-: ( قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ ) (الحجر:55-56) .

فإياكم والقنوط عباد الله من رحمته، وهو الولي الحميد... وذلك بعلمه وحكمته، ولو أعطى -سبحانه- العباد ما يشتهون؛ لبغوا في الأرض كما قال -تعالى-: ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ . وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) (الشورى:27-28) ، فكما جعل الله في المطر حياة البشر من بعد بأسهم، فكذلك في كل الكروب يُنزل ما يغيث به الناس، وينشر رحمته من بعد ما يقنط الناس وييأسوا إلا أهل الإيمان فإنهم لا يقنطون من رحمة الله أبدًا، وإنما يُشفقون على أنفسهم أن يصيبهم بسبب ذنوبهم من عقاب الله -عز وجل-، ولكنهم لا يقنطون من رحمة الله الرحمن الرحيم، كيف يقنطون وهم يرون آثار الرحمة تملأ هذا الكون؟!

ورحمته -سبحانه- وسعت كل شيء، فلا تقنطوا من رحمة الله، وقولوا كما قال إبراهيم -عليه السلام-: ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ ) (الحجر:56) .

وهو -سبحانه- يضيّق الأرزاق؛ ليعلم الناس أن الأمور ليست بأيديهم، وأنه هو وحده -سبحانه- الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو -سبحانه وتعالى- الخبير البصير بعباده، وهو الذي يدبِّر الأمر بالعلم والحكمة، وبخبرته -عز وجل- وبصره بعباده يعلم أحوالهم ويسمع دعاءهم، ويعلم عواقب أمورهم، وهو يُشرف على عباده مشفقين يائسين إلا من رحمته فيضحك؛ لعلمه أن فرجهم قريب، وهو -سبحانه- يفعل ذلك؛ ليسمع تضرعنا، ويرى ثقتنا بوعده وحسن ظننا به -عز وجل-.

والله عند ظن عبده به كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) (متفق عليه) .

فأحسنوا ظنكم بالله، وثقوا بوعده، وهو سميع الدعاء، وإذا دعونا الله ونحن موقنون بذلك مع الضعف والانكسار كان ذلك من أعظم أسباب النصرة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ؟ ) (رواه البخاري) ، أي بدعائهم وتضرعهم لله -عز وجل-.

وكم مستضعف يقسِم على الله فيبره -سبحانه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ) (رواه مسلم) ، أي هو من أهل الإيمان الكُمَّل الذين يوقنون بوعد الله، ولو أقسموا على الله في الدعاء لأجاب الله قسمهم، وهو عند أهل الدنيا مستضعف فيهم ليس عنده من أسباب القوة الظاهرة ما يجعلهم يعتبرون منزلته ويعتدون بمقامه.

هذه بعض صفات إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- التي جعله الله إماما يُقتدى به ويُتبع، ومَن كان من ذريته على شيء من هذه الصفات فهو إمام كذلك بقدر ما فيه، وأما من ظلم ولو كان من ذرية إبراهيم -عليه السلام-؛ فليس داخلاً في عهد الله -عز وجل- بالإمامة في الدين، قال الله -عز وجل-: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (البقرة: 124) .

فهناك عهد أن يكون هناك أئمة من ذريته، ولكن لا ينال هذا العهد الظالمين، فإن الله لا يقبل لهم ولاية ولا شهادة، ولا يجعل لهم أمانة؛ لأن الظالم عند الله -عز وجل- مبعد عنه، وعنده مغضوب عليه وملعون: ( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (هود:18) .

فاجتنبوا الظلم عباد الله بكل أنواعه: الظلم الأكبر، وظلم بعضكم لبعض، وظلم أنفسكم، فإن إمامة إبراهيم -عليه السلام- ينالها كل مَن تبعه واتصف بصفاته حتى ولو كان مِن غير نسله، قال الله -تعالى- عن الإسلام: ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ... ) (الحج:78) ، وهذا يعني دخول العرب والعجم في ذلك، فإبراهيم الإمام لكل مَن تبعه، وآله مَن تبعوه على دينه وملته مِن ذريته ومِن غيرهم.

فإنما الصلة بين أهل الإيمان بالأعمال كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) (رواه مسلم) ، وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا إِنَّ آلَ أَبِي فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) (متفق عليه) .

الصفحة السابقة