شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوة مباركة غيرت وجه الأرض

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ونحن في هذه المحن والفتن، والناس يظنون أن موازين القوى هي مِن الأرض، يدرك المؤمن أن الأمر مِن السماء لا مِن الأرض، فتكون مواقفه مبنية على ابتغاء رضوان الله -عز وجل-، وقد تعجزه أسبابه الضعيفة فلا يجد أوسع وأفضل وأقوى مِن الدعاء لله مالك الملك، مقلب القلوب، وفي هذه الأيام، والملايين يتوافدون على بيت الله الحرام ومئات الملايين غيرهم تهفو وتهوي قلوبهم إليه، نتذكر الدعوة التي غيَّرت وجه الأرض.

فالدعاء مِن أعظم أسباب تغيير الحياة على وجه الأرض، فالله -سبحانه وتعالى- قدَّر مقادير وقدَّر لها أسبابًا، ومما قدره الله -سبحانه وتعالى-: تعمير مكة المكرمة، وتعمير بيت الله الحرام بالقيام، والركوع والسجود، والطواف، والاعتكاف، وسائر أنواع العبادات.

وجعل الله -عز وجل- الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس؛ به يقوم أمر الناس، وإذا أوشكت الدنيا على الانتهاء، أذِن الله -عز وجل- قدرًا في هدمه، ولا بقاء للناس من دون الكعبة المشرفة؛ فمن أشراط الساعة هدم الكعبة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ ) (متفق عليه) ، وأما قبْل ذلك فلا قوام للناس إلا ببيت الله الحرام وبتوجه المؤمنين إلى هذه القبلة المشرفة، فكيف عُمِّرت هذه البقعة؟ وكيف اتجهت إليها قلوب الملايين، وتتجه وجوههم وقلوبهم إليها؟!

يذهب الملايين مِن الناس في كل عام إلى هذه البقعة المشرفة لأداء فريضة الحج التي أمر الله -سبحانه وتعالى- بأدائها وافترضها على الناس، وجعلها ركنًا مِن أركان الإسلام، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) (متفق عليه) ، وقد عمِّرت هذه البقعة بدعوة مباركة مِن إبراهيم -عليه السلام-.

وقد كرَّم الله -عز وجل- سارة -عليها السلام- بأن كانت مِن المؤمنين، وردَّ الله -عز وجل- كيد الملك الكافر عندما ذهب بها إبراهيم -عليه السلام- إلى أرض مصر، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- إِلا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: قَوْلُهُ (إِنِّي سَقِيمٌ) (الصافات:89) . وَقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) (الأنبياء:63) . وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلاً مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ) (متفق عليه) .

وضربتْ سارة -عليها السلام- مثلاً في التضحية؛ إذ وَهبت هاجر -وهي خادمتها التي وُهبت لها- لإبراهيم -عليه السلام-؛ عسى الله -عز وجل- أن يرزقه منها الولد إذ كانت سارة عقيمًا لا تلد إلى ذلك التاريخ، فضربت مثلاً في التضحية والحب الحقيقي، والطاعة لله -عز وجل-، فاتخذ إبراهيم -عليه السلام- هاجر سُرِّية، وولدت له إسماعيل -عليه السلام-، ولكن وقع في قلب سارة ما وقع، وكان الله -عز وجل- قد قدَّر تعمير بيته الحرام بإسماعيل -عليه السلام- وذريته، فأمر الله -عز وجل- إبراهيم -عليه السلام- أن يأخذ هاجر ويهاجر بها إلى موضع مكة المكرمة، وفي هذا المكان الجدب الذي لا أحد فيه؛ لا أنيس ولا جليس، ترك إبراهيم -عليه السلام- هاجر وابنها الرضيع إسماعيل -عليه السلام-، وترك لهما جراب تمر، وشملة، وقربة ماء، وتركهم عند دوحة قريبًا مِن موضع زمزم، ولم يكن قد بُني البيت بعد، وإنما كان مثل الأكمة المرتفعة، أي مثل التل المرتفع، وتركهم وحدهم في هذا المكان الذي ليس فيه أحد، أترى هذه البقعة التي لا نبت فيها ولا زرع ولا ماء ولا شيء على الإطلاق مِن مقومات الحياة، اختارها الله -عز وجل- يوم خلق السماوات والأرض لتكون بقعة عبادته وتوحيده إلى آخر الزمان، إلى أن لا يوجد على وجه الأرض مَن يقول: "الله... الله!".

ولله الحمد والمنة أن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي قَطُّ إِلا سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ، لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ ) (رواه البخاري) .

الصفحة التالية