شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوة مباركة غيرت وجه الأرض

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وقد اجتبى الله -تعالى- هذه البقعة وجردها -سبحانه وتعالى- مِن مقومات الحياة الطبيعية، وقدَّر أن تكون أزحم بقعة على وجه الأرض بمن يعبد الله -عز وجل-، وهذه آية عظيمة مِن آياته -عز وجل-، وبيانًا لأهمية الدعاء، إذ كانت هذه الدعوة مِن إبراهيم -عليه السلام-، قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (إبراهيم:35) ، وفي الآية الأخرى قال الله -تعالى-: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) (البقرة:126) .

فكانت الدعوة قبل تكوُّن البلدة، وبعد تكوُّنها كان هذا الدعاء الذي غيَّر وجه الحياة على سطح الأرض، والذي نشر الله -عز وجل- به التوحيد في مشارق الأرض ومغاربها، إذ مِن ذرية إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- وُلد محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أراد الله -سبحانه وتعالى- بحكمته وعلمه أن يكون هو الذي يرفع لواء دعوة التوحيد، وهي دعوة الأنبياء جميعًا في أرجاء الأرض كلها بفضل الله -عز وجل-، وتكون أمته مِن بعده حاملة هذا اللواء، تنشر توحيد الله -عز وجل-، وتعلن الكلمة الخالدة: "لا إله إلا الله" شعارًا للحياة، وشعارًا للأمة الإسلامية.

ولا توجد أمة مِن الأمم سواء ممن ينتسب إلى الأنبياء أو ممن لا ينتسب إليهم يرفع هذا الشعار، أو يطبقه في الحياة، أو يسعى إلى إعلاء هذه الكلمة في الأرض؛ وإنما تجد الأمم -حتى مَن ينتسب إلى الأنبياء- جعلوا شعائر خاصة بهم خلاف ما أوصى به الأنبياء، وإن كانت الوصية مسجلة عندهم، وهي أول الوصايا جميعًا: "أن نعبد الله وحده لا شريك له"، هكذا في وصايا موسى -عليه السلام- العشر في التوراة، وكما هي وصية المسيح -عليه السلام- في الإنجيل، وبفضل الله -عز وجل- إنما يرفع هذه الكلمة ويطبقها في الحياة أهل الإسلام الذين يتجهون مِن كل مكان إلى هذه البقاع الطاهرة، ويخرجون في اليوم الثامن قاصدين منى ثم عرفات، ثم يفيضون بعد ذلك إلى المشعر الحرام، ثم إلى منى، ثم إلى البيت العتيق مرة ثانية، قاصدين بذلك مرضات ربهم؛ لأنهم يبتغون فضلاً مِن الله ورضوانًا.

ولقد قدَّر الله -عز وجل- أن يأتي إبراهيم بإسماعيل -عليهما السلام- مع أمه ويتركهما في ذلك المكان، فتقول له هاجر: إلى مَن تتركنا في هذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا أحد؟ وكأن هذا السؤال ما كان ينبغي أن يكون؛ لذا لم يجبها إبراهيم -عليه السلام-، ولم يلتفت إليها، فكيف تظن به -وهو الرفيق الرحيم الشفيق بالخلق- أن يكون قاسيًا على ولده فلذة كبده! وعلى امرأته التي عاشرها وعاش معها ووحدت الله -عز وجل- على يديه؟! وكيف يمكن أن يُظن به ذلك، وهو يدعو لمن عصاه بالمغفرة والرحمة؟!

أثر دعوة إبراهيم لذريته وأتباعهم:

مِن دعاء إبراهيم -عليه السلام-: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) (إبراهيم:35-36) ، أي: الذين دعوا إلى عبادتها أضلوا كثيرًا مِن الناس، وليست الأصنام نفسها تضل كثيرًا مِن الناس؛ فهو يعتبر بحال الأكثر، وكان يخشى على نفسه وبنيه أن يقعوا فيما وقع فيه الناس؛ ولذا قال مَن قال مِن السلف: مَن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟! أي: مَن يأمن أن يقع فيما حذر الله -عز وجل- منه مِن الشرك بعد أن دعا إبراهيم -عليه السلام- بالنجاة له ولبنيه منه، وقد استجاب الله -عز وجل- دعوته، فلم يكن أحد مِن بنيه وعصبته مشركًا، وإنما وقع الشرك في الأجيال التالية بعد عشرة قرون متتابعة، فانظر كيف تكون الدعوة مستمرة الأثر أجيالاً متتابعة!

وكذلك أثرت هذه الدعوة في حياة البشر وفي هذه البقعة إلى يومنا هذا؛ فدعوة التوحيد هذه جددها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقام بها في الأرض كلها بعد أن كان الأنبياء يقومون بها في أقوامهم، فبُعث عليه الصلاة والسلام إلى الأحمر والأسود، وأرسل أصحابه إلى المشارق والمغارب، وقام بذلك مَن بعدهم، وأمر أمته بالجهاد لإعلاء كلمة الله في كل مكان.

الصفحة السابقة