شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تركيا التي لا نعرفها (5) الانقلابات العسكرية في الجمهورية التركية

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

انزواء حزب الوطن الأم:

ضم حزب الوطن الأم منذ نشأته عام 1983م كافة الاتجاهات السياسية في تركيا، واستطاع "أوزال" رئيس الحزب ورئيس الوزراء -في غياب الزعامات التاريخية التقليدية بسبب الحظر الذي فُرض عليهم- أن يدير الحزب على ما فيه مِن مختلف الاتجاهات بحنكة وبراعة إلى جانب إدارة شئون البلاد، ثم جاء توليه لرئاسة الجمهورية ثم وفاته عام 1993م ليفقد الحزب كثيرًا مِن قوته، ثم تولى "يلدريم أق بولوط" رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء بعد تولي "أوزال" رئاسة الجمهورية، فخسر الحزب انتخابات 1991م لتنتهي بذلك فترة قيادة الحزب لتركيا.

عودة الزعامات السياسية:

بدأت الزعامات المخضرمة ممارسة العمل السياسي مِن جديد مِن عام 1987م بعد انتهاء الحظر المفروض عليها بعد الانقلاب العسكري الذي قاده كنعان إيفرين.

فأسس ديميريل حزب (الطريق القويم)، وتزعم نجم الدين أربكان حزب (الرفاه) الذي أسسه رفاق لأربكان منذ عام 1983م، ليتزعمه بنفسه عام 1987م بعد انتهاء الحظر المفروض عليه.

وفي انتخابات 1991م فاز حزب ديميريل بالانتخابات واستطاع تشكيل حكومة بالتحالف مع أحد الأحزاب اليسارية.

تغير الخريطة الحزبية في تركيا في التسعينيات:

شهدت فترة الثمانينيات تغيرًا ملحوظـًا في الحياة الحزبية في تركيا حيث بدأ خفوت تيار (اليمين الوسط) الذي تمثـَّل في الحزب الديمقراطي بزعامة "مندريس" في الخمسينيات، ومِن بعده حزب العدالة بزعامة "ديميريل" في الستينيات، ثم حزب الوطن الأم بزعامة "أوزال" في السبعينيات، ليتصدر المشهد حزبا الحركة القومية وحزب الرفاه (ومِن بعده وريثه حزب الفضيلة)، ففي انتخابات 1991م حصل الحزبان على حوالي 17% مِن الأصوات، وفي انتخابات 1995م حصل الحزبان على 29.5% مِن الأصوات، وفي انتخابات 1999م حصل الحزبان على 34.5%.

صعود حزب "الرفاه" مع "أربكان":

تأسس حزب الرفاه الإسلامي في يوليو 1983م، بتوجيه مِن "أربكان" الذي كان يقضي فترة الحظر السياسي، وحصل الحزب على 7% مِن الأصوات في انتخابات 1987م، ارتفعت إلى 9.8% في انتخابات 1989م، وتحالف مع حزب الحركة القومية في انتخابات 1991م وما بعدها.

ويرى محللون أن صعود حزب الرفاه في فترة التسعينيات كان لأمور، منها:

- ظهور طبقة جديدة متوسطة متعلمة لها أصول ريفية محافظة، كثير منها تلقى تعليمه بمدارس (إمام - خطيب) الدينية، ونجح حزب الرفاه في اجتذابها، خاصة في إسطنبول.

- الآثار السلبية الاقتصادية والاجتماعية والسلوكية لسياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد "أوزال"، والتي استطاع الحزب استقطاب الكثير مِن ضحاياها؛ خاصة ممن نزحوا مِن الريف إلى إسطنبول والمدن الكبرى للبحث عن عمل فيها؛ فلقد تسبب الانفتاح في تراجع سيطرة الدولة على الاقتصاد والمجتمع، وازدياد الفجوة بيْن الأغنياء والفقراء، وكثرة العشوائيات، وظهور سلوكيات ومظاهر غريبة على المجتمع التركي المحافظ بطبعه، كما ظهرت فئات جديدة مِن الطبقة المتوسطة المتعلمة ومِن صغار رجال الأعمال ذوي الأصول المحافظة، والتي وجدت نفسها خارج المعادلة التي أوجدتها فترة الانفتاح، وقد مزجت بيْن مبادئ الكمالية التي تتبناها الدولة والقيم المحافظة التي نشأت عليها، مع تزايد شعورها بالفقر إلى جانب القهر السياسي؛ لذا وُجدت الجاذبية في أطروحات حزب الرفاه، والتي قامت على مكافحة الفقر، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية، ودعم الضمان الاجتماعي، خاصة وقد قدَّم الحزب كوادر بعيدة في سلوكياتها ومظاهرها عن سلوك الأغنياء التي يستنكرها المجتمع، فنجح الحزب في مخاطبة هذه الفئات الخاسرة في عملية الانفتاح، والتي تطلعت إلى حزب الرفاه لينتشلها مِن التهميش الذي وصلتْ إليه.

- نجاح أعضاء الحزب الذين نجحوا في المحليات (البلديات) في إدارتها بشكل ملحوظ.

- استخدام الحزب لمجموعة مِن المؤسسات والجمعيات الخيرية المنتمية إليه في تقديم المساعدات الاقتصادية والاجتماعية للمهمشين، وتوفير فرص عمل مقبولة للعاطلين مِن المتخرجين، ممن لم تستطع الدولة استيعابهم في وظائف، كما نشطت كوادر الحزب النسائية في مساعدة الأمهات والأرامل على مواجهة أعباء الحياة الاقتصادية.

- النجاح الإعلامي للحزب، حيث أدار حملته في الانتخابات متخصصون في الترويج السياسي، تصدوا للحملة المعارضة للتيار الإسلامي في الانتخابات، وعبر قنوات تلفزيونية خاصة ومجلات وصحف ووسائل إعلام صححوا الكثير مِن مفاهيم الجماهير ونظرتهم للإسلاميين، بطرح معالجات للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية مِن خلال حلول مبتكرة مبنية على التفكير العلمي والممكنة عمليًّا، بالإضافة إلى أسلوب الدعاية المباشرة الذي قام به أفراد الحزب في مناطق سكنهم وعملهم، وأنشطتهم الاقتصادية، فرأى الكثيرون في الحزب وعدًا جديدًا للأمة.

ورغم أن "أوزال" ألغى في عام 1991م بعض مواد قانون العقوبات التي تعاقِب مَن يقوم بالدعاية الدينية اكتفاءً بتشديد قانون مكافحة الإرهاب فإن حزب الرفاه تجنب الإكثار مِن استخدام العبارات الدينية أو الحزبية في حملته الدعائية، وطرح معالجات وحلول مبتكرة، وشعارات جذابة لاقت القبول.

ظهرت قوة "الرفاه" لأول مرة في الانتخابات المحلية (البلديات) في عام 1994م حين حصل على 6 بلديات رئيسية منها أنقرة العاصمة، وإسطنبول أكبر المراكز الحضارية، فجاءت تجربته في البلديات ناجحة للغاية، خاصة في إسطنبول بفضل إدارة عمدتها (رجب طيب أردوغان)، الذي حقق نجاحًا لم يحققه أحد قبله، نال إعجاب الجميع، وهو في الأربعينيات مِن عمره.

وفي انتخابات ديسمبر 1995م تقدم حزب الرفاه على كل الأحزاب، إذ حصل على 21.3% مِن الأصوات، فشكل حكومة ائتلافية برئاسة "أربكان" بالمشاركة مع حزب (الطريق القويم).

وعلل الكثيرون تقدُّم الحزب في هذه الانتخابات إلى رفض الناخبين فساد الحكومات والأحزاب السياسية التي سبقت حزب الرفاه، وتنامي شعور الرأي العام ضدها مِن جهة، وجاذبية الشعارات الدعائية التي أطلقها حزب الرفاه، وكان لها تأثيرها على البسطاء من الناس، وقبْل ذلك أداء الحزب العملي في المحليات (البلديات).

الصفحة التالية