عشرة أسباب للثبات على الدين (5) "الصلاة - الدعاء"
الشيخ سعيد محمود • التزكية
- والمسلم دائم الاتصال بربه؛ لأنه دائم العبادة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، والمسلم يدعو ربه في كل أحواله "في الرخاء والشدة"؛ بخلاف الكافر، فإنه لا يعرف ربه إلا عند الشدائد، كما قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) (العنكبوت:65) ، ومع ذلك ينجيهم الله لعلهم يتوبون ويرجعون؛ فكيف بعبده المؤمن إذا سأله ودعاه، واستغاث به عند شدته؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- وكيف بعبده المؤمن الذي يعلم أن قلبه بيْن يدي الله، وهو القادر على تثبيته؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وعلى ذلك لا يطلب المؤمن الثبات لقلبه إلا مِن الذي بيده ذلك.
وكان سيد التائبين -صلى الله عليه وسلم- يدعو: ( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وكان الصالحون على مر الزمان يدعون ربهم: ( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (آل عمران:8) .
وانظر إلى أحوال الصالحين مع الدعاء؛ لا سيما عند الشدائد والمحن:
- فهذا نبي الله يونس -عليه السلام- وهو في بطن الحوت في ظلمات ثلاث يعلم أنه لن يخلصه مِن شدته وكربه إلا الله، ولن يكون ذلك إلا باللجوء إليه، والانكسار والتذلل بيْن يديه، فيرفع يديه في بطن الحوت، ويطلق الدعوة الخالدة المتضمنة لكل أنواع السؤال والتذلل والافتقار: ( لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (الأنبياء:87) .
- وها هو نبي الله نوح -عليه السلام- لما اشتد الكرب، وعظم الخطب يرفع يديه لربه: ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ ) (القمر:10-11) .
- وها هو نبي الله موسى -عليه السلام-، وقد صار العدو مِن خلفه، والبحر مِن أمامه، حتى ظن مَن معه الهلاك والضياع، فكانت الكلمات المعبِّرة عن قلب تعلق بربه، وأكثر الالتجاء إليه: ( قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (الشعراء:62) .
- وها هو سيد النبيين -صلى الله عليه وسلم- كلما اشتد عليه الكرب وعظم عليه الخطب، لجأ إلى ربه ورفع يديه، وأظهر يديه، وأظهر فقره وانكساره إليه؛ فيرفع الله عنه كربه، ويزيل عنه همه، ويبدل حزنه فرحًا.
- انظر إليه يوم بدر، وقد رفع يديه حتى سقط رداؤه مِن على كتفيه، وانظر إليه يوم خروجه يستسقي وقد رفع يديه في ذل وانكسار، وقد جعل ظهور كفيه إلى السماء، وهو يردد: ( اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ) (متفق عليه) ، وغير ذلك مِن أحوال الأنبياء والصالحين مع الدعاء، لاسيما عند اشتداد المحن، ونزول البلاء.
- فالدعاء باب الرحمة العظيم الذي فتحه الله لعباده المؤمنين، يلجون عليه في كل وقت، وفي كل حين؛ فبابه مفتوح لا يغلق إلا بالموت أو الساعة.
أيها المسلم: إذا أردت الثبات على الدين؛ فاسأل مَن بيده ذلك، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك.
والحمد لله رب العالمين.