شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأزمة الاقتصادية... ودعوات "11 - 11"

الشيخ ياسر برهامي • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها بلادُنا مِن أعنف الأزمات في تاريخنا الحديث، وأن نُذُر الاضطرابات الاجتماعية التي قد تتسبب عنها لا يمكن إهمالها، خصوصًا مع حالة الاحتقان الموجودة؛ فلابد مِن اتخاذ إجراءاتٍ لإزالتها.

وقد اتفق الخبراء الاقتصاديون على أن تجاوُز هذه الأزمات دون حصول الاضطرابات المُجتمعية -التي قد تؤدي بالبلاد والمجتمع إلى نفق مظلم- لا بد أن تتحقق فيه أمورٌ ثلاثة:

تحصيل الثقة، وتوحيد المجتمع في مواجهة الأزمة، ورعاية الطبقات الفقيرة التي لا تتحمل المزيد مِن الأعباء.

ونحن نتعرض بشيء مِن التفصيل في واقعنا، في صورة نصيحة صادقة واجبة للقيادة السياسية لكي تَعبُر بالأمة هذه المحنة.

أولاً: تحصيل الثقة:

فلا بد أن يشعر الناس بالثقة في القيادة السياسية، ليس فقط في شخص الرئيس، بل في كل المؤسسات الحاكمة معه؛ فإن طبيعة الناس أن تحمل خطأ الصغير على الكبير، وخطأ المرؤوس على الرئيس، والمؤسسة بأسرها، ولا شك أن التعميم في الغالب يكون ظلمًا؛ إلا أن الكبير عليه مسئولية في خطأ الصغير، فكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) ؛ فلا بد أن تحصل الثقة في المؤسسات الحاكمة صاحبة القرار؛ لأنها أول مَن يتحمل الأعباء، ضِعف ما يتحمله غيرُها، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يربط على بطنه حجرين حين كان يربط أصحابه على بطونهم حجرًا حجرًا؛ هذا الذي يجعل المجتمع كله مستعدًا للتضحيات، قادرًا على الصبر، مؤثِرًا على نفسه ولو كان به خصاصة، فإذا أردنا مِن الناس تحقيق الصبر فلا بد مِن الاحتساب عندهم، ولا يتحقق ذلك إلا بالإيمان، ثم بالقدوة الحسنة، وأخشى أن تكون الأمور تسير في الاتجاه العكسي.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في الإجراءات القضائية، ابتداءً مِن تحرّيات وضبطيات "الداخلية" و"الأمن" ومَن جرى مجراها، ومرورًا بالنيابة وانتهاءً بالقضاء، وهذه الثقة تتضمن الثقة في المصداقية، والأمانة والشفافية، وغياب المحسوبية والرشوة والانتقائية في تطبيق القانون واستثناء طبقات وأفراد يُعامَلون خارج القانون سلبًا أو إيجابًا، وإذا أردنا فعلاً الخروج مِن أزمتنا الاقتصادية فلا بد أن نعيد الثقة في هذه المؤسسات بخطوات عملية تنفيذية، وليس بتأكيدات إعلامية يلمس الناس خلافها على أرض الواقع، وكذلك تشمل هذه الثقة: الثقة في العدالة الناجزة؛ فالعدل البطيء ظلم سريع.

ولا بد مِن إعادة النظر في التشريعات المبيحة للحبس الاحتياطي غير محدد المدة، فإنه يَسمح بظلم أبرياء لن نستطيع إصلاح كسرِهم تجاه الدولة والمجتمع، وهي طبقة ستظل تمثل عُودَ ثقاب يُشعل البرميل المحتقِن في أي لحظة ويفجِّره.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في الإعلام الرسمي والخاص على السواء، في صِدقِه وسلوكه وأدبه وتحرّيه مصلحة البلاد، وإنصافه، والبعد عن الإسفاف والتفاهة، وتصفية الحسابات الشخصية، وسوء الخلق والتدهور بأخلاق المجتمع، وإذا فقد الناس الثقة في وسائل الإعلام وأعرضوا عنها فإن ذلك سوف يَفتح الباب لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي -التي تتضاعف مخاطرها- والتي يسيطر على كثير منها جهات لا تريد مصلحة البلاد والمجتمع، ولا تعبأ بتدميره وتخريبه، وتمثل عُودَ ثقاب ثانٍ يعرض المجتمع للانفجار.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في المؤسسة التشريعية، وأنها تعمل باستقلالية عن السلطة التنفيذية تشريعًا ومراقبًة؛ فهذه وظيفتها التي أقسم أفرادُها اليمين على أدائها، وفقدان الثقة فيها يهدد العملية السياسية كلها بانسدادٍ تامٍ لن تُجدي معه قرارات اقتصادية -ولو كانت صائبة- إذا كان مَن يقرِّرها ومَن ينفِّذها ويطبِّقها فَقَدَ ثقة الناس أو -على الأقل- ضعفت ثقتهم فيهم، فإن الأزمة أخطر مِن أن يتحملوا التضحيات إلا بثقة كبيرة جدًا في شفافية ومصلحية وجدوى القرارات والمشاريع الاقتصادية التي يجب أن تكون في منتهى الوضوح، وأن يشارِك الناس في التشاور حولها -شورى حقيقية لا شكلية-.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في رغبة المؤسسات كلها وجِدِّيتها في محاربة الفساد ومعاقبة أصحابه، وعدم السماح باستمرارهم، فضلاً عن تضخُّمِهم؛ فإن انتشار الفساد الفكري والعملي والسلوكي مِن أعظم أسباب فقدان الثقة، وسبق أن ذكرنا أن طبيعة الشعوب أنها تُحمّل المؤسسات كلها أخطاء وفساد أفرادِها إذا شعرت بالتواني في محاربة الفساد، في حين أن الجِدِّية في ذلك تعيد الثقة أضعافًا مضاعفة.

ومِن أعظم الأمثلة في تاريخنا: قصة عمر -رضي الله عنه- في القصاص مِن ابن عمرو بن العاص -أميرِ مصر في زمنه- المشهورة بــ"اضرب ابن الأكرمين".

ومِن أعظم أسباب تحقيق الثقة: تحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة في توزيع أعباء القرارات الاقتصادية في صالح الطبقات الفقيرة، وليس عليها، وذلك بأمور محسوسة للجميع.

وكذلك مِن أهم أسباب تحقيق الثقة -بل أهمها-: احترام الدولة بكل أجهزتها لكرامة الإنسان وحقوقه، خصوصًا في إجراءات القبض على المتهمين وأثناء الاستجواب، وأهم ذلك في أماكن الاحتجاز والسجون بجميع أنواعها، وضرورة إزالة المظالم، وتوسيع دائرة العفو الرئاسي؛ فالخطأ في العفو عن ألف جانٍ خير ألف مرةٍ مِن ظلم بريء، وضرورة التعامل بكل حزم مع قضايا التعذيب والاختفاء القسري، والمبادرة إلى عقوبة مَن تثبت إدانته مع الإعلان عن ذلك، ويجب الحذر مِن توسيع دائرة الاشتباه؛ فإنها مِن أعظم أسباب انتشار المظالم.

أما الأمر الثاني: وهو توحيد المجتمع في مواجهة الأزمة:

فمثاله الرائع: توحّد المجتمع المصري في "حرب أكتوبر"، وارتفاع روح التضحية، وتحمّل أعظم الأعباء؛ لأنه كان يدًا واحدة في قضية مصيرية صارت هي قضية الأمة بأسرها.

وإذا أردنا توحيد المجتمع فلا بد مِن عودة روح التعايش -لا التقاتل-، وروح الاجتماع -لا الإقصاء لطائفةٍ أو أفراد-.

الصفحة التالية