الأزمة الاقتصادية... ودعوات "11 - 11"
الشيخ ياسر برهامي • حدث وتعليق
ولا بد مِن وجود الحوار الصادق الناصح بيْن الفئات المختلفة، دون سبٍّ وطعنٍ وتخوينٍ وتشويهٍ لصورة المخالِف، وإذا كان الله قد شرع لنا الحوار بالتي هي أحسن مع غير المسلمين، فقال: ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (العنكبوت:46) ، فكيف بغيرهم؟!
ولا بد مِن الاشتراك الحقيقي والتشاور الحقيقي قبْل اتخاذ القرارات؛ فهو يوحِّد المُوافق والمعارِض، وأما الانفراد واستعمال أهل الولاء والثقة -مشاوَرةً وتنفيذًا وتوجيهًا- دون أهل الأمانة وأهل الكفاءة -ليس إلا لأجل عدم تطابق الآراء والتوجّهات- فسوف يزيد المجتمع انقسامًا؛ فلا يلزم أن نتطابق، بل ولا أن نتوافق، وليكفي أن نتعايش، ونتشارك ونتشاور، ولو بنسبة يحتملها الناس؛ فإذا شعروا بالجسد الواحد تحملوا ما لا يخطر على البال.
أما الأمر الثالث: وهو رعاية الطبقات الفقيرة:
فهو أمر عظيم الأهمية؛ لأن مِن هم "تحت خط الفقر" لا يمكن أن تستمر حياتهم على حافة الآدمية إذا تُركوا تحت وطأة الغلاء دون رعاية مِن الدولة ومِن المجتمع ممثلاً في منظماته وجمعياته ذات الطابع الخدمي، وليست ذات الطابع الفكري المستورد -الخارج عن ثوابت المجتمع- والتي تنفذ أجندات أجنبية وبتمويل أجنبي، ولها اهتماماتها الخاصة المستوردة أيضًا، ولا شأن لها بتخفيف الأعباء عن الطبقات المطحونة إلا بالقدر الذي يحقق لها أهدافها الأجنبية الفكرية، وهذه المنظمات هي عُودُ ثقاب ثالث قد يُفجِّر الموقف في اللحظة الخطيرة المناسبة له؛ لتحقيق الفوضى الخلّاقة.
ولا بد أن نفتح الأبواب -تحت الرقابة الواعية غير المتعنتة- للتكافل الحقيقي والرعاية الحانية لجمعيات وأفراد المجتمع المصري الأصيل الذين لم يزالوا يقدِّمون الخير لأبناء وطنهم.
كلُّ هذه المقدمة أسوقها بيْن يدي التعليق على دعوات "11/11" التي لا يُدرى على وجه الوضوح مَن وراءَها؟!
والتي يسميها البعض "ثورة" أو "ثورة الغلابة" أو "ثورة الجياع"، والتي لا يشك عاقل يريد مصلحة البلاد والمجتمع أنه -رغم وجود الفساد والظلم وضعف الثقة- في أن دفع الناس إلى الخروج بسبب الأزمة الاقتصادية، هو مما يزيد عبء الأزمة ويمنع أي بارقة أمل في الخروج منها -بل هو الخطر العظيم في حالة تحولها إلى تيار شعبي فعلاً- هو في مضاعفة الانقسام المجتمعي، فالانقسام حاصل فعلاً حتى بيْن أبناء كل تيار؛ فالحركة الإسلامية منقسمة، ومؤسسات الدولة مختلفة، والتيار الليبرالي منقسم، والتعايش بيْن طبقات المجتمع وأفراده في خطر عظيم.
ففي ظل هذا؛ كيف يتفق الثائرون لو نجحوا -وهو أمر مستبعد- على قيادة للبلاد؟! وهل يمكن أن يتحقق ذلك النجاح إلا على شلالات مِن الدماء، وألوان مِن الخراب والدمار والفوضى المحققة؟!
ورغم كل ما ذكرنا عالِيَه مِن نصائح نخشى أن الأمورَ تسير في عكسِها؛ إلا أن البديل المُر -في كسر مؤسسات الدولة وانهيارها- أعظم شرًّا عند كل العقلاء مما هو حاصل -أو متوَقَّع- مع بقاء المؤسسات، خاصة العمود الفقري "أعني المؤسسة العسكرية".
فلا بد مِن الموازنة بيْن المصالح والمفاسد "في الدين والنفوس والأعراض والأموال" والفتن لا تجلب إلا الشرور ومزيد الفساد وسفك الدماء.
فلا يُمكِنُنا أن نقبل هذه الدعوات، ولا أن نتفاعل معها، حتى ولو طالب البعض بحق التعبير السلمي عن الرأي -ولو بالمظاهرات السلمية التي نص عليها الدستور-؛ فإن هذا لا بد أن يُنظر فيه إلى الواقع لا إلى المطلق، وإلى النهايات والمآلات لا إلى البدايات فقط.
فإذا علمنا خطر الفوضى في ضوء الانقسام والتربص، واستحالة الاحتجاجات السلمية؛ فلا يمكن لنا إلا أن نرفض هذه الدعوات نصحًا للأمة والمجتمع والدولة.
والله المستعان.