شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن قصة الذي أمر أولاده بحرقه بعد موته (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الموعظة:

- الوقوف على الفوائد والدروس من القصة، ومن أعظمها: "مسألة العذر بالجهل".

المقدمة:

- تمهيد بحكاية القصة إجمالاً، ثم ذكر الحديث: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ ) (متفق عليه) .

مِن الدروس والفوائد:

1- الخوف من أعظم العبادات:

- الشاهد من القصة: قول الرجل: "مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ"، وفي الرواية الأخرى قال: "مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ" (رواه البخاري) .

- الخوف هو مطالعة القلب لعظيم عقاب الله ونقمته ممن عصاه؛ ولذا فحال الصالحين: ( إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) (الإنسان:10) .

- ولأجله جعل الله التخويف من عذابه أحد مهمات الرسل: قال الله -تعالى-: ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) (الأنعام:48) .

من ثمرات الخوف:

- صاحبه في ظل العرش يوم شدة الشمس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: ... ) وفيه: ( وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ ) (متفق عليه) .

- صاحبه في أمنٍ يوم الخوف: قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: ( وَعِزَّتِي لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يوم القيامة ) (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني) .

- صاحبه مِن أسرع السالكين إلى الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) (التحريم:6) ، تَلاهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، أَوْ قَالَ يَوْمٍ فَخَرَّ فَتًى مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ عَلَى فُؤَادِهِ، فَإِذَا هُوَ يَتَحَرَّكُ، فَقَالَ: "يَا فَتًى، قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ"، فَقَالَهَا فَبَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ بَيْنِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (إبراهيم:14) .

2- العذر بالجهل عقيدة أهل الحق:

- الشاهد من القصة: "فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ..." قال العلماء: "إن الرجل اعتقد ما يستحق به التكفير، وإنما عذر بجهله" (فتح الباري 6 / 522، مجموع الفتاوى 11/ 410) .

- الجهل مانع من المؤاخذة في الدنيا والآخرة: قال الله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:15) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ) (التوبة:115) ، وقال عن أهل النار: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) (الملك:8-9) .

- بُعد البيئة عن العلم والعلماء من أسباب الجهل: عن عائشة -رضي الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ) فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: ( لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ) فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: ( لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ) فَرَضُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ ) فَقَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ هَؤُلاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا، أَرَضِيتُمْ؟ ) قَالُوا: لا، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ، فَقَالَ: ( أَرَضِيتُمْ؟ ) فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ( إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ ) قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( أَرَضِيتُمْ؟ ) قَالُوا: نَعَمْ. (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية